٢٧- موقف مشهود للجواهري

عدنان حسين

المرة الأولى التي التقيتُ فيها الجواهري وجهاً لوجه كانت في العام 1975 اثناء الاحتفالية التي نظّمها في بغداد اتحاد كتاب آسيا وافريقيا لتسليمه جائزة اللوتس. كان لقاءً سريعاً جداً.. كنتُ يومذاك أعمل محرراً في صحيفة " طريق الشعب"، وقد سعيتُ لاستنطاق الجواهري عن شعوره وهو يتسلّم الجائزة.. قال كلمة موجزة، فلم يكن في وسعه الاستفاضة.. كان محاطاً بالكثير من الأدباء العراقيين والاجانب وبالمعجبين به، فضلاً عن مسؤولين حكوميين.

 

قبل ذلك كنتُ ممن حفظ بعض أشعاره، لكن دراستي الصحافة في جامعة بغداد حتّمت عليّ البحث في المكتبة الوطنية ومكتبة المتحف عن الصحف التي أصدرها الجواهري، وبخاصة "الرأي العام".. وقد زادتني مقالاته المُجلجلة إعجاباً به وبلغته الفخمة وشجاعته السياسية، وجعلتُ منه أحد قدواتي، فرحتُ أحلم أن أكون صحفياً من طرازه.

 

في الثمانينات جمعنا المنفى السوري.. كنتُ أزوره من آن الى آخر مع زميلات وزملاء من المثقفين الذي توطنوا العاصمة السورية، وكانت هناك زيارات عائلية أيضاً، فقد تصادف أن تكفّلت زوجتي، هيفاء جميل الدايني، مهمة تنضيد كتاب مذكراته.

 

لن أنسى أبداً موقفاً للجواهري في تلك الحقبة زاد من محبتي وتقديري له. في أواخر العام 1990 أتصـــــل بنا في دمشق الأمين العام لمؤسسة سلطان العويس الثقافية الاماراتية الاستاذ عبد الحميد أحمد، والمدير التنفيذي لجائزة سلطان العويس الاستاذ عبدالإله عبد القادر (كاتب عراقي)، وكنّا نمثل رابطة المثقفين الديمقراطيين العراقيين، مبديين الرغبة بترشيح الجواهري لنيل جائزة جديدة تقرّر منحها للشخصيات الثقافية المرموقة ذات المنجز الثقافي المميز، اعتباراً من الدورة الثانية (1990- 1991) التي ستعقد لاحقاً..... اقترحا أن تتولـــى الرابطة أمر ترشيح الجواهري للجائزة، وأخبرانا بأن من شروط منــــــح الجائزة موافقة المرشح الخطّية على الترشيح.

 

ذهبنا إلى الجواهري في دارته بشارع الروضة في دمشق، زهير الجزائري وفاضل السلطاني وأنا وربما كان معنا أيضاً الزميل عصام الخفاجي، وأبلغناه بنيّتنا ترشيحه لجائزة العويس الجديدة. بدا الجواهري مرتاحاً جداً وهو يلازم زاويته الدائمة في صالون الدار قرب طاولة صغيرة مكلّلة دائماً بقدح الفودكا، لكن عندما قدمّنا له استمارة الترشيح للتوقيع موافقاً، انتفض وقال بقدر من الغضب: أنا أوقع على ترشيحي!.. كيف؟.. لا أريد هذه الجائزة!

 

سعينا كلّ جهدنا لإقناعه بأن الترشيح من الرابطة التي اختارته عند تأسيسها رئيسا فخريا لها، وأن التوقيع هو إجراء شكلي مُتّبع في كل الجوائز الدولية المرموقة للتوثّق من موافقة المرشح على قبول الجائزة. ظلّ مُعانداً، وتطلّب الأمر أن نستعين بابنته خيال وابنه كفاح اللذين كانا يشاركانه السكن في تلك الدارة، لاقناعه بالتوقيع الذي جاء أخيراً ولكن بعد اسابيع عدة.

كان الجواهري معتدّاً بنفسه وبمكانته الأدبية أيّما اعتداد... "يطلعله"، كما يقول السوريون.

 

* كاتب وأعلامي

Share on Facebook
Share on Twitter
Please reload

Tel: (+420) 603 412 120

عدد الزوار