Tel: (+420) 603 412 120

عدد الزوار

١٨- الجواهري...

د. سعد عبد الرزاق

ربما لست أنا الشخص المناسب للحديث عن شعر الجواهري، فأنا بإختصار لا أفهم بالشعر. لا يُثمن الجواهري بإعتباره شاعراً فحسب، فكثير من معاني شعره لها خلفيات فلسفية واجتماعية وسياسية.

 

وربما هذا هو إنعكاس للحياة التي عاشها شاعرنا الكبير، ”عشت حياة عاصفة، اختلطت فيها عوالم بعوالم، الفقه بالشعر، والشعر بالسياسة٫والسياسة بالصحافة، والصحافة بالحب، والحب بالصداقات، والبؤس بالنعيم، والتوطن بالترحل، والطفولة بالرجولة“ [1].

 

وقد تشبع الجواهري بالفقه والشعر واللغة العربية من الأجواء الثقافية التي كانت تسود مدينته التي ولد فيها، وهي النجف. وكثير من الحكايات التي يرويها الجواهري تعود الى ايامه الأولى في مدينته، ”فرغم انني نقلت رحالي من أرض لأرض، مسافراً أو متنزهاً أو شريداً، إلا ان جذوري بقيت في تلك المجدبة الواقعة بين الصحراء والبساتين ونهر الفرات“[1].

 

ورغم اعتزاز الجواهري بالنجف وشخصياتها المتميزة وتقاليدها ومرقدها العلوي الذي جاور البيت الذي نشأ فيه، فأنه ينتقد الكثير من السلبيات التي كانت تسود في المدينة. وبهذا الخصوص يعاتب والده الذي ”يبدو انه لم يفهم الواقع المرٌ الذي آلت اليه زعامات العوائل النجفية، بل وكل بيوتات العراق وماشابهها، فقد اصبح المال والاملاك المتوارثة والقدرة على التحايل وعلى اعطاء الأبهات حقها من المظاهر، فضلاً عما يمتاز به الواحد عن الآخر من الدهاء في ذلك، اساس الزعامات الأولى،..“[1].

 

وبالمناسبة فأن شخصية الجواهري ابعد ماتكون عن الفئوية او الطائفية، انه وطني عراقي بحق، لا يميز الناس على اساس خلفياتهم الدينية او المحلية او غيرها، بل ربما يصح القول عنه بأنه كان اممياً.

 

تعرفت على الجواهري في نهاية عام 1962 في براغ، والتقيته مراراً فيما بعد. جلساته ممتعة للغاية، وهو شخصية مفعمة بالحيوية، حساسة، ومنفتحة على الأخرين. وقد يتبادر الى الذهن إنحيازه الى اليسار السياسي، إلا انه يلتقي مع اليسار في كل الأمور الوطنية التي تعادي الأفكار الرجعية وتدعو الى التحرر بكل اشكاله، خصوصاً تحرر المرأة العراقية.

وفيما يخصني فأنا تعلقت ببيتين من ابيات شعر الجواهري التي تنطبق على اوضاع مجتمعنا ما بعد 2003.

 

لا تنس انك من اشلاء مجتمع، يدين بالحقد والثارات والخطلِ

يستنفر اليوم من امس على غده، على المذاهب والأديان والنحل

 

* كاتب وباحث اكاديمي

 

1/محمد مهدي الجواهري، ذكرياتي، الجزء الأول، دار الرافدين، دمشق، ص14 .

2/ نفس المصدر، ص 39. 3/ نفس المصدر ص .45

Share on Facebook
Share on Twitter
Please reload