أخي جعفـــر

مقتطفات من قصيدة طويلة نظمها الجواهري في رثاء أخيه جعفر الذي استشهد خلال مشاركته في تظاهرات واحتجاجات

كانون الثاني/يناير الوطنية، وقمع الشرطة لها عام 1948 في بغداد.


أتعـلـم أم أنــت لا تعـلـمُ بـان جـراح الضحايـا  فـمُ
فـم ليـس كالمدعـي  قولـةً وليـس كـآخـر  يستـرحـم
يصيح على المدقعين  الجيـاع اريقـوا دماءكـم  تُطعـمـوا
ويهتـف بالنفـر المهطعـيـن أهينـوا لئامـكـم  تُكـرمـوا
أتعلـم أن جـراح  الشهـيـد تظـل عـن الثـأر تستفـهـم
أتعلـم أن جـراح  الشهـيـد من الجوع تهظـم مـا  تَلهـم
تمص دمـاً ثـم تبغـي دمـا  وتبـقـى تـلـح وتستطـعـم
فقـل للمقيـم عـلـى ذلــة هجينـاً يسـخّـرُ أو يُلـجـم
تقحّمْ . لُعِنت ، أزيزَ الرصاص وجرب من الحـظ مـا يُقسـم وخضها كما خاضها  الأسبقون وثّـنِّ بمـا افتـتـح الأقــدم
فإما إلى حيـث تبـدو الحيـاة لعينـيـك مكـرُمـة  تُغـنَـم
وإما إلـى جـدث لـم  يكـن ليفضـلـه بيـتُـك المظـلـم
      * * *
تقحّم ، لعنت ، فما ترتجـي من العيش عن وِرده تحـرم
أأوجع من أنـك المُـزدرى وأقتـلُ مـن أنـك المعـدم
تقحم فمن ذا يخوض المنون إذا عافهـا الأنكـد الأشـأم
تقحم فمن ذا يلـوم البطيـن إذا كـان مثلـك لا  يَقحـم
يقولون من هم أولاء الرعاع فأُفهمهـم بـدمٍ مَـن هــمُ
وأفهمـهـم بــدم أنـهـم عبيدك إن تدعهُـم يخدمـوا
وأنك أشرف مـن خيرهـم وكعبك مـن خـده  اكـرم
      * * *
أخي جعفراً يا رواءَ الربيـعِ إلى عَفِنٍ بـاردٍ يُسْلَـم
لثمتُ جــــــراحَـكَ في "فتحـةٍ" هي المصحفُ الطهرُ إذ يُلْثَمُ
وقبّلتُ صدرَكَ حيث الصميمُ مِنَ القلبِ مُنْخَرِقَاً يُخْرَمُ
وحيث تلوذُ طيـورُ المُنـى بهِ فهي مُفزعةٌ حُوَّمُ
وحيث استقرّت صفات الرجال وضَمَّ معادنَها مَنْجَمُ
ورَبَّتُ خـدَّاً بماء الشبـابِ يرفُّ كما نَوَّرَ البُرْعُمُ
ومَسَّحْتُ مـن خِصَـلٍ تَدَّلي عليهِ كما يفعل المُغْرَمُ
وعلّلتُ نفسي بذوبِ الصديـدِ كما عَلَّلَتْ وارداً زمزمُ
ولَقَّطتُ مـن زبَدٍ طافـحٍ بثغرِكَ شهداً هو العَلْقَمُ
وعَوَّضتَ عـن قُبلتي قُبلـةً عَصَرْتَ بها كلَّ ما يُؤْلِمُ
عَصَرْتَ بها الذكرياتِ التي تَقَضَّتْ كما يَحْلُمُ النُّوَّمُ
أخي جعفراً إنَّ رَجْعَ السنينِ بَعْدَكَ عندي صدىً مُبْهَمُ
ثلاثـونَ رُحْنَا عليها معـاً نُعَذَّبُ حيناً ونستنعِمُ
نُكافِـحُ دهـراً ويَسْتَسْلِمُ ونُغْلَبُ طَوراً ونَستَسْلِمُ
      * * *
أخي جعفراً إنَّ عِلْـمَ اليقيـنِ أُنَبِّيكَ إنْ كُنْتَ تَسْتَعْلِمُ
صُرِعْتَ فحامَتْ عليكَ القلوبُ وخَفَّ لكَ الملأُ الأعظمُ
وسُدَّ الرُّواقُ فـلا مَخْـرجٌ وضاقَ الطريقُ فلا مخْرمُ
وأَبْلَغَ عنكَ الجنـوبُ الشَّمالَ وعَزَّى بكَ المُعْرِقَ المٌشْئِمُ
وشَقَّ على "الهاتفِ" الهاتفونَ وضَجَّ من الأسْطُرِ المِرْقَمُ
تعلَّمْتَ كيفَ تموتُ الرجالُ وكيف يُقَامُ لهم مَأتَمُ
وكيفَ تجرُّ إليكَ الجمـوعُ كما انْجَرَّ للحَرَمِ المُحْرِمُ
 * * *
ضَحِكْتُ وقد هَمْهَمَ السائلونَ وشَقَّ على السَّمْعِ ما هَمْهَمُوا
يقولونَ مُتَّ وعندَ الأُسَاةِ غيرَ الذي زَعمُوا مَزْعَمُ
وأنتَ مُعَافىً كما نرتجي وأنتَ عزيزٌ كما تَعْلَمُ
ضَحِكْتُ وقلتُ هنيئاً لهـم وما لَفَّقُوا عنكَ أو رَجَّمُوا
فَهُمْ يبتغونَ دَمَاً يشتفـي به الأرْمَدُ والأجْذَمُ
دَمَاً يُكْذِبُ المخلصونَ الأُبَاةُ بهِ المارقينَ وما قَسَّمُوا
وَهُمْ بكَ أولى وإِنْ رُوِّعَتْ عجوزٌ على فِلْذَةٍ تَلْطِمُ
وتكفُرُ أنَّ السمـا لم تَعُدْ تُغِيثُ حَرِيباً ولا تَرْحَمُ
وأُخْتٌ تَشُقُّ عليكَ الجيوبَ فيُغْرزُ في صدرِها مِعْصَمُ
تُناشِدُ عنكَ بريقَ النجومِ لَعَلَّكَ من بينها تَنْجُمُ
وتَزْعَمُ أنَّكَ تأتي الصباحَ وقد كَذَّبَ القبرُ ما تَزْعَمُ
لِيَشْمَخْ بفَقْدِكَ أَنْفُ البلادِ وأنفي وأنْفُهُمُ مُرْغَمُ
       * * *
أخي جعفراً بعهودِ الإخاءِ خالِصَةً بيننا أُقْسِمُ
وبالدمعِ بعدكَ لا ينثني وبالحُزْنِ بَعْدَكَ لا يُهْزَمُ
وبالبيتِ تَغْمُرُهُ وحشـةٌ كقبرِكَ يسألُ هل تقدُمُ
وبالصَّحْبِ والأهلِ يستغربونَ لأنَّكَ منحرفٌ عَنْهُمُ
يميناً لتَنْهَشُني الذكريـاتُ عليكَ كما ينهُشُ الأرقَمُ
إذا عادني شَبَحٌ مُفْـرِحٌ تَصَدّى له شَبَحٌ مُؤْلِمُ
وأنِّيَ عودٌ بكَفِّ الريـاحِ يَسْألُ منها متى يُقْصَمُ

--------------------------------------------------------
 

 

Share on Facebook
Share on Twitter
Please reload

Tel: (+420) 603 412 120

عدد الزوار