في لغة الجواهري(*)

العلامة د. مهدي المخزمي

-انها لمناسبة جميلة أن أتحدث فيها عن الشاعر البنّاء، والصانع الحاذق والمصور المبدع الملهم، وعن جانب من فن هذا الشاعر العملاق لعلّ المعنيين بشعره لم يتناولوه، أو تناولوه ولكن لم يقفوا عنده إلا لماماً. هذا الجانب الذي أحاول أن أشير إليه بما تسمح به هذه الدقائق التي أشعر أني أقتطعها من الحاضرين اقتطاعاً، وانتهبها من المتشوقين إلى سماعه انتهاباً.

-الجواهري واحد من أمهر شعراء العربية في إنتقاء الحرف، واختيار اللفظ، ولعله في مقدمة الشعراء في تجنب الحوشي والمستكره، وأن لمفرداته رنيناً كرنين العود، ونغمة الوتر، وأنّ لها في السمع جرساً، وأن لها في النفس لحلاوة. لعلّ الجواهري أقل عمالقة الشعر معاظلة وتعقيداً، وأقلّهم سقطات، فلن تجد في شعره مثل قول الفرزدق:

 

وما مثلُهُ في الناسِ إن مُملّكاً، أبو أمّهِ حي أبوه يقاربُه

   أو قول أبي الطيب:

 

أقِل أنِلْ أقطع احملْ علِ سلِ أعدْ، زد هشَ بشَ تفضل أذنُ سرْ صِلِ

 

أو غير ذلك من سخيف القول مرذوله.

-عبارة الجواهري صافية لم يشبها كدر، وجزلة تشدّ إليها السامعين. وموسيقى الجواهري عالية آسرة، وتتمثل في اختيار البحر، والقافية واعتماده التصريع الذي يضفي على عذوبة الموسيقى فضل عذوبة، والتصريع في شعر الجواهري مما أفاد من أبي تمام، وان لم يرد أن يعترف بذلك، وأبو تمام اذا لم يكل أول من اصطنع التصريع وجعله أحد مقومات موسيقاه في مقدمة من عرف قيمته، ففي قصيدته التي مطلعها:

 

أما إنه لولا الخليط المودع، وربع خلا منه مصيف ومربع

قال:

 

وتقفو لي الجدْوى بجدْوى وإنما، يروقك بيت الشعر حين يُصرع

وهذه نماذج من تصريعات الجواهري أذكرها تمثيلاً لا حصرا. والفت الانتباه الى تصريعاته التي لاتكاد تخلو مطولاته منها. ففي قصيدته (يوم الشهيد) التي مطلعها:

 

يـوم الشـهـيد تحيـة وسلام، بك والنضـال تـؤرخ الأعــوام

يقول:

 

أأخـي لو سـمعَ النـداء رغام، ولو استحابَ الى الصريخ حمـامُ

 

  ويقول:

 

قدْ كـان يَعطفـني عليـك ملام، أن لو ذَخَرْتُكَ أيهـا الصمصـامُ

 

ويقول:

 

يوم الشهيد ونعمت الأيام، لو تستتمّ أخوة ووئام

 

وفي قصيدته (دم الشهيد) التي مطلعها:

 

خذوا مِنْ يومِكُم لغدٍ متاعا، وسيروا في جهادِكُم جماعا

 

يقول:

 

وكنْ إن لفَّه ليـلٌ شعاعا، وإنْ طالَ الطريق به متاعا

 

 ويقول:

 

وزِدْهُ ما استَطَعْتَ لكَ انصياعا، وعما يُغضِبُ الوطنَ اتساعا

وفي قصيدته (ذكريات) التي مطلعها:

 

يا ذكـرياتُ تحشـّدي فـرقا، تسعُ الخيالَ وتمـلأ الأفقـا

 

يقول:

 

فكأن فيهِ الصَلْـبَ منغلقـا، بجـراحهِ والصـدرَ منخرقا

 

   ويقول:

 

وتـرد مثلي عيْشـَهُ رنقـا، وتُسدُّ مثلي حولَهُ الطَرقا

 

   ويقول:

 

من لي بشعر خالقٍ حُرَقاً، ليريهم القلبين قد لَصِقا

تطاُ الفؤادَ وتُلهبُ الحَدَقا، صنوين كيفَ اذا هما افترقا

 

وفي قصيدته (الخطوب الخلاقة) التي مطلعها:

 

دع الطوارق كالاتون تحتدمُ

ويزدحمنَ على وجهِ ويبتسمُ

 

ثم يقول:

 

انقذ فلسطين مردودا بها حرم

على ذويها ومركوزاً بها علمُ

 

   ثم يقول:

 

محمق وبأوج الفطنة الأمم
أجهزْ عليه يَعِنْكَ الشرقُ ينتقم

وشائخ وشباب حولهُ نُظُمُ
والغربُ يرزَحُ والأهواءُ ترتطمُ

 

ثم يقول:

 

أقوى من الموت في صاروخك الرُّجُمُ

للصارخين ومن أسطولك الحِممُ

 

ثم يقول:

 

فسّرْتُ نَهْجَكَ تَطغى عندي الكلمُ

فأدّريها فيُثْنى سيْلُها العَرِمُ

 

ثم يقول:

 

سِرْ في نضالك لازلَتْ بكَ القَدَمُ

ولنْ تزِلَ وبالإيمان تَعتصمُ

 

والتصريع الجيد لا ينقاد لشاعر إلا إذا توافر فيه، فيما أرى، أمران:

1) حسّ موسيقي عميق.

1) محصول لغوي ضخم.

وللجواهري من هذين النصيب الأوفى.

-وإذا كان أبو تمام وابن الرومي والمتنبي ممن يعنون بصحة المعنى، ولا يبالون أن يقع فيه من قبح وهجنة ومعاظلة، فالجواهري كالبحتري في جمال المضمون وسلامة اللفظ وقوة الأسلوب. والشاعرية إنما تعتمد سبيل التصوير وجمال الصياغة. وإذا تآخيا في شاعر فقد اكتملت شاعريته.

-ومن جمال الصياغة شياع التصريع الذي أشرت إليه، وتكراره في القصيدة كتكرار جملة موسيقية مختارة يعتمدها المؤلف في تصويره وإيحائه، أو كلازمة موسيقية تجدد ديباجة اللحن وايقاعه.

-وإلى غزارة مفرداته يرجع هذا النفس الطويل فيما يقول من شعر، وهذا النسج المحكم والصياغة القديمة، وهذا الانتقاء العجيب لقوافيه وسائر مفرداته.

-واذا أراد المتنطعون أن يغمزوه، أو يعيبوا عليه خروجه على القواعد المنطقية الجامدة بعطفه الظاهر على الضمير المخفوض بعد حرف إضافة بدون تكرار حرف الإضافة، كقوله في قصيدته (يوم الشهيد):

 

يـوم الشـهـيد تحيـة وسلام، بك والنضـال تـؤرخ الأعــوام

بعطف (النضال) على ضمير المخاطب بدون اعادة (الباء) فيه، فليس في ذلك ما يعاب، وليس في ذلك خروج على الأسلوب العربي الأصيل، وحسبه أن يكون ذلك مذهباً لدارسين كان لهم إسهامهم الكبير في دعم الدرس النحوي، وهم النحاة الكوفيون البغداديون، بل حسبه أن يرد ذلك في القرآن الكريم، قال تعالى: "واتقوا الله الذي تساءلون به والارحام" وأن يرد في الشعر العربي المحتج به كقول الشاعر:

 

أكر على الكتيبة لا أبالي

أفيها كان حتفي أم سواها

 

وقول الآخر:

 

تعلق في مثل السواري سيوفنا

وما بينها والكعب غوط نفانف

 

أو بعطفه على ضمير مستتر بدون فصل، كقوله في قصيدته "شهيد العرب":

 

ما للفؤاد وعوده، وإذا تغالب والرجاءُ

 

طالت فطال عذابه
فيأسه غلابه

 

   وكقوله في قصيدته "أفتيان الخليج):

 

صلاح الدين كان يفتّ خبزاً

وكان ينام أرضاً والجنودُ

 

وكقوله في قصيدته (بغداد):

أبغداد اذكرى كمْ من دموع
جرين ودجلة لكن اجاجا

أزارتك الصبابة والغليلا
أعدن بها الفرات السلسبيلا

 

وليس في ذلك أيضاً خروج على أساليب العرب في كلامهم، لأنه مذهب أصحابه من نحاة بغداد وهو مذهب معروف، فاذا عززنا ذلك بقول ابن أبي ربيعة:

 

قلتُ إذ أقبلت وزهر تهادى

كنعاج الملا تعسفن رملا

 

وقول الآخر:

 

ورجا الأخيطل من سفاهة رايه

ما لم يكن دأب له لينالا

 

وقول العرب فيما روى سيبويه: "مررت برجل سواء والعدم" كان الرد على المتنطعين مفحما.

 

-وقد يقف من يحاول أن يتلقط هفوات الجواهري في مفرداته لعله يعثر على بناء مخالف للقياس على مفردات توهم أنها مخالفة، ولكني أنصح له أن يستشير المعجمات، ويستقري شعر العرب فسيجد حكمه مبتسراً، وسيرى أن الشاعر ملم بالشوارد والنوادر التي لا تخطر على بال شاعر معاصر، ولا أخفي أنا كنا في أثناء تحقيقنا ديوانه نقف أحياناً عند مفردات نستغربها، ونكاد نشك في استعمال العرب اياها ولكن تتبعنا المظان اللغوية التي تقع تحت أيدينا يقطع علينا استغرابنا، ويرد علينا تعجلنا.

 

-ان شاعرنا الكبير موسوعة لغوية حية، يدل على ذلك اختياره القوافي التي يضعها في مواضعها حتى لا تتزحزح، وحتى لا يحسن أن يستبدل بها غيرها... ويدل على ذلك أيضاً هذا الجمال اللفظي الرائق الذي يتمثل بالتصريع، ألا يدل طول القصيدة، ورفدها بالقوافي المناسبة، وبالقوافي الداخلية المتمثلة بالتصريع بدون تكرار وبدون احساس بالقلق... على علم شاعرنا باللغة، وإلمامه باستعمالاتها الفصيحة، وتمثله لأساليبها الأصيلة؟

 

-ولا أعرف أنى وقفت على لحن في بيت من أبياته، أو على مخالفة لغوية لم يسبق أن وقع في أمثالها فحولة الشعراء.

أو على قافية قلقة تشير الى تبلد الحس، وقلة المحصول... قد يتفاوت شعر الجواهري قوة وضعفا، ولكنه لا يتفاوت حسنا وقبحاً، أو جودة ورداءة، فإذا أحصى النقاد رديء أبي تمام وابن الرومي والبحتري وأبي الطيب فلا أحسب خلفاءهم من النقاد المعاصرين واجدين في شعره مثل قول أبي تمام:

 

قرّت بقران عين الدين وأنشترت

بالاشترين عيون الشرك فاصطلحا

 

أو مثل قول أبي الطيب:

 

عظمت فلما لم تكلم مهابة

تواضعت وهو العظم عظم من العظم

 

أو مثل قوله أيضاً:

 

ولا الضعف حتى يبلغ الضعف ضعفه

ولا ضعف ضعف الضعف بل مثله ألف

 

   أو مثل قوله:

 

لو لم تكن من ذا الورى الذي منك

عقمت بمولد نسلها حواء

-أما موسيقى شعر الجواهري فمنسابة عذبة ليس في شعره ما يسيء إلى موسيقى الشعر أو يحد من انسيابها، وليس فيه مثل قول أبي تمام، فيما يروى الامدي في موازنته:

 

كساك من الأنوار أبيض ناصع     وأصغر فاقع وأحمر ساطع

 

أو قوله:

 

يقول فيسمع ويمشي فيسرع

ويضرب في ذات الإله فيرجع

 

أو مثل قول البحتري:

 

ولماذا تتبع النفس شيئا

يجعل الله الفردوس منه بواء

 

-وليس في شعر الجواهري أيضا ما في (خفيف) الزهاوي من قبح وتعثر.

-وقد صنع الجواهري ما صنعه الشعراء الكبار من قبل فأحدث أبنية لم تكن أو أشاع منها ما قل دورانه في الاستعمال.

لقد أحدث فعل (ضوّى) كما فعل في قصيدته (أفروديت) فقال:

لك نحر كما تبلج للصبح عمود ضوّى به المشرقان

 

وزنة أفعلة جمعا لفعل كأكهلة في قوله من قصيدة (يابن الفراتين):

 

نفى عن الشعر أشياخاً وأكهلة

يُزجى بذاك يراعا صبره الحردُ

 

فقد جمع (كهلا) على (أكهلة) والقياس فيه (أكهل) بدون هاء لأدنى العدد و (كهول) لأكثره. كما يجمع العرب (عبداً) على (أعبد) و(سطراً) على (أسطر). وفعل ما فعله الشعراء أيضاً من فك المضعّف كما في قصيدته (يابن الفراتين):

 

يا شاتمي وفي كفي غلاصمهم
وعاضضي وفي أفواههم شلل

كموسع الليث شتماًوهو يزدرد
أرخى الشفاه وفي أسنانهم درد

 

كما فعل العجاج في قوله:

 

فإن يوضخ بالخبيث الأقلل

يرضوا وينسوا خفر التزول

 

وكما فعل أبو النجم في قوله:

 

الحمد لله العلي الأجلل

الواسع الفضل الوهوب المجزل

 

وكما فعل أبو الطيب بقوله:

 

فلا يبرم الأمر الذي هو حالل

ولا يحلل الأمر الذي هو يبرم

 

واستعمل (أحاف) مكان (حاف) في قوله من قصيدته (رسالة مملحة):

 

وأدقهن وما ونى وأجلهن وما أحافا

 

   ولم يخرج الفعل عن كونه لازماً جعله على (أفعل) كما لم يعد (أجدب) زيادة الهمزة عليه.

 

-ان ما أثبته هنا وما لم أثبته من أمثلة لقليل اذا قرن بما فعله الشعراء الكبار من قبله. ويمكن حمله على مقتضيات الضرورة، أو على أنه قياس وعته ذاكرته الحافظة وغاب عنا.

 

-وليست هذه الأمثلة المعدودات مما يعاب عليه شاعرنا، لأن للشعر لغة خاصة، ولأن الشعراء (والمقصود فحولتهم) أمراء الكلام، كما قال الخليل، يجوز لهم ما لا يجوز لغيرهم...

 

-وبعد فللغة الجواهري واستعمالاته نحو خاص ربما أفردت له بحثاً مستقلاً ليس هذا مجاله، ولعلي منجز ذلك اذا سنحت لي السانحة، وتوافر لي صفاء الذهن وهدوء البال.

------------------------------------------------------------------

(*)محاضرة للعلامة المخزومي أعدت لاحتفاء جامعة الموصل بالجواهري عام 1980.

 

 

 

 

 

 

Share on Facebook
Share on Twitter
Please reload

Tel: (+420) 603 412 120

عدد الزوار