Tel: (+420) 603 412 120

عدد الزوار

٣١ - الجواهري في النضال الطويل

د.كاظم حبيب

خسارتنا في غياب الجواهري فادحة لا تعوض. كان إنساناً رائعاً وشاعراً عملاقاً وسياسياً بارعاً وواعياً لدوره المميز في المجتمع العراقي. يكن احتراما كبيرا لكل المناضلين وغنّاهم في شعره. كانت له علاقات حميمة مع جمهرة كبيرة من السياسيين العراقيين، ولاسيما مع الشيوعيين العراقيين. يحترم الحزب الشيوعي العراقي ويقدر تضحياته الكبيرة. إلا أن الحزب - وهذا هو الإيجابي والبديع في الجواهري- لم يفلت من انتقاداته النابتة والصادقة، التي كان الحزب الشيوعي يأخذها بعين الجد.

 

كانت للجواهري مواقفه السياسية المستقلة ورؤيته الخاصة لمجرى الأحداث بالعراق والعالم العربي والمنطقة. وكثيرا ما كانت شخصيات سياسية معروفة تستشيره الرأي وتسعى إلى معرفة تصوراته حول مجرى الأحداث. لقد كان الجواهري يمارس النقد الرصين والصارم، وأحيانا يوجه النقد اللاذع لفصائل الحركة الوطنية العراقية بسبب ارتكابها للأخطاء وتمزقها الذي كان يطيل ليل الاستبداد الدموي في العراق. كان نقده بناءً ومسؤولا.

 

وقف الجواهري في مؤتمر المعارضة العراقية في بيروت في العام 1991 غاضبا ومزمجرا ومطالبا بانسحاب القوات الأمريكية المحتلة من الأراضي العراقية معتبرا وجودها تدنيسا لأرض الرافدين وثقلا يجثم على صدر الشعب. كان هذا تحديا لمجموعات كبيرة من المشاركين في المؤتمر. ولم يشاركه في موقفه الواضح والسليم سوى ما جاء في خطاب السكرتير الأول للحزب الشيوعي العراقي الرفيق عزيز محمد، والفنان الكبير محمود صبري بهذا الصدد.

 

كان الجواهري، ومعه كوكبة لامعة من الشخصيات الاجتماعية والسياسية الوطنية العراقية البارزة، عضوا نشطا في حركة السلام العراقية التي عقدت مؤتمرها في العام 1954، كما كان عضوا في مجلس السلم العالمي، ورئيساً لاتحاد الأدباء في العراق.

 

كان الجواهري يمتلك حسا سياسيا ثوريا متميزا. كان يتحسس الإرهاصات الثورية في حركة الشعب العراقي مبكراً، وينطلق هادرا بقصائد غاضبة وشامخة معبرا عن حالة الشعب وحاجاته. لقد كانت حركة الشعب وانتفاضاته وتضحياته ورفضه للظلم والطغيان هي التي كانت تحرك الجواهري وتطلق موهبته وقريحته الشعرية الفريدة.

 

كان الجواهري إنسانا بالغ الحساسية، يتأثر بأصغر الأحداث ويتفاعل معها، يتكدر مزاجه بسرعة، فهو حاد ومتقلب المزاج وصعب المراس. كان يضحك كالطفل البريء مرة، ويغضب كالأسد، عند ذاك يصعب تحمله. كانت عائلته هي التي تعاني من مزاجيته. لم يكن سهلا بأي حال من الأحوال، بل كان إنسانا صعبا وأحيانا بالغ التعقيد، وإذا غضب لا يرحم، ولكن عبر الكلمات.

في داخل الجواهري كانت هناك ثورة تتفاعل باستمرار وحياة مضطربة وفوضى غريبة فيها شيء من البوهيمية والحيوية المحببتين. الاعتزاز بكرامته، الثقة بنفسه، الاعتزاز بتاريخه ومواقفه العامة، الإدراك العميق بقوة شعره، القلق الدائم، الرغبة في العيش المريح والخوف منه في آن...

 

* أكاديمي وكاتب

Share on Facebook
Share on Twitter
Please reload