top of page

٢٦- جوهــرة العصــر


د. عدنان الاعسم

 

تمر الذكرى العشرون على رحيل الجواهري العظيم. ترى أيرحل الخالدون حقا ؟ وكأني به يتقدم في وجهتين.. في عمق التاريخ والى اامستقبل بلا نهاية. فبه استوى الشعر وارتقى الادب، واغتنت ثقافة البشرية بدرر عربية المظهر وانسانية /اممية/ الجوهر.


الذكرى العشرون لرحيله. وكأنه زمن طويل مضى وانقضى. لم أر ببن الناس من يشعر بذلك. في اللقاءات والحوارات يتحدثون عن شعر حي وكأنه قيل توا، ويستعينون به لوصف الاحداث الجارية والجديد في حياة ''اﻵن''. وكأني بالجواهري في مقعده يرنو اليهم بعطف ليشاركهم الهموم.


جوهرة العصر'' لم يسبقه وما تلاه أحد فيما قال . وديوانه يحتل مكانه على الرف اﻻعلى الى جانب الكتب ذات الرفعة والقدسية... وفي عقول وقلوب الناس. هذا هو الجواهري الذي اقتنص المجد والخلود وهو بعد حي يرزق. وستمر العهود والقرون وهو باق في العقول والقلوب ينعش الورود والزهور في الضمائر والصدور.


ما تميز به الجواهري ثراؤه اللغوي بلا حدود. فلم يعرف الادب العربي شاعرا بمثل هذه السعة حتى لكأنه بين المعاجم والقواميس نهر يتدفق بلا فتور. وبفضله أخذ الخزين اللغوي لدى الادباء والشعراء، وعامة المثقفين، في العراق يغتني ويرتقي شيئا فشيئا. وفي الفترة الاخيرة ظهرت اقتراحات للقيام بدراسة احصائية لتحديد كمية الكلمات التي استخدمها الجواهري. ولعل الفوائد التي سيجنيها الدارسون والادباء من نتائج دراسات كهذه لا حدود لها. وستؤدي الى انجازات علمية فائقة ولائقة.


لقد كان اختيار الجواهري واستخدامه موسيقى الاوزان الشعرية يخرج عما جرى التعارف علي. واستطاع ان يوظفها لما يخدم التعبير عن المضامين. وبذلك حقق قفزات مذهلة في ايقاض العقل واستفزاز العواطف بالاستناد الى امكانات لم تكن معروفة تماما في الاوزان والتفعيلات. كما فعل –مثلاً- في قصيدة ''أخي جعفرا'' مع تفعيلة ''فعولن''... لم يكن استخدامه واخضاعه لتلك التفعيلة ناتجا عن الضرورات الشعرية والمتطلبات الاخرى...كان يدفعها لتنسجم مع ضربات القلب وتقلبات العواطف، وبذلك تمكن من التعبير عما يعجز عنه الكثيرون.


وفي توجهاته الوطنية والسياسية كان الجواهري يدعم الاحزاب الوطنية ومطالبها الشرعية - ولكنه في الوقت ذاته كان يمثل نفسه - في الكفاح من اجل حرية وسيادة الشعب والوطن. وكان فريدا في هذا المضمار، وكانت القوى الوطنية تنحني اجلالا لمواقفه وكلماته. ولعل ديوان شعره هو الاوحد في تاريخ الشعر العربي، بل والعالمي، بمحتواه الوطني الذي يضع مصالح ومطالب الشعب والوطن فوق الذات وكل شئ آخر.


كانت كلماته النارية توحد صفوف الشعب في كفاحه من اجل الحرية وكرامة الانسان. وهنا يمكن القول فصلا: الجواهري لم يسبقه ولم يتله شاعر بمثل رقيه وقوته وصدقه في كل شيء. وهذا ما عزز نبله من جهة واحترام اﻵخرين من جهة اخرى. واﻵخرون سواء كانوا في العراق أو في غيره من بلدان العالم .


* اكاديمي ولغوي

bottom of page