Tel: (+420) 603 412 120

عدد الزوار

٢٣- في غربة الجواهري واغترابه الإبداعي

د.عبد الحسين شعبان

هل كانت غربة الجواهري اغتراباً أم هجرة وهو الذي عاش ثلث عمره البيولوجي ونحو نصف عمره الإبداعي في المنفى؟ كنت أقول مع نفسي: ماذا لو بقي الشاعر الجواهري في العراق، أسيكون هو الجواهري نفسه؟ أم أن الغربة أضفت على اغترابه نكهة جديدة وعميقة؟ وظل هذا السؤال يراودني سواء بيني وبين نفسي أو في حواراتي ومطارحاتي مع الجواهري الكبير.

 

لكن الجواهري يختلف عن أدباء المهجر الذين عاشوا في الغربة ثم اغتربوا، في حين أنه كان مغترباً قبل غربته البيولوجية، وقد يكون اغترابه ازداد عمقاً بعد غربته، وإذا كانت غربة الجواهري زمانية، فقد ظل مرتبطاً بالمكان بوشائج قويّة، إذْ لا يمكن تصنيف القصائد التي أنتجها الجواهري في الغربة باعتبارها من " أدب المهجر" الذي طبع نتاجات أدباء كبار مثل جبران خليل جبران وميخائيل نعيمة وأمين الريحاني وإيليا أبو ماضي، ونسيب عريضة ورشيد أيوب وفوزي المعلوف والياس فرحات وغيرهم، وذلك لأن الجواهري بقي يعيش، بل يسمع، نبض بيئته ومجتمعه، بلغته المنفردة وبنائه الفني المعهود وتركيب قصيدته السائد، وكأنه لم يبارح المكان.

 

وحتى ما أنتجه من روائع في المهجر، فقد كانت نكهته محلية وعراقية وعربية بامتياز، ومن يقرأ قصائد ديوانه " بريد الغربة" وقبل ذلك قصيدته الشهيرة "يا دجلة الخير" وغيرها يتأكد من أن الغربة رغم لواعجها لم تترك مثل ذلك التأثير على لغته وقصيدته وفكره.

 

وكنت قد سألته: وماذا كان هناك يا أبا فرات: زمهرير الغربة أم فردوس الحرية؟ فكان جوابه: الإثنان معاً، "أي والله". واستمرّ في القول: صحيح أننا دفعنا أثماناً باهظة من كراماتنا المُهانة، ومن شماتة الشامتين، وتشفّي المتشفين، ولكننا مع جفاف الغربة، كسبنا حريتنا وحلاوة الحياة. هكذا إذاً كان "الفردوس المفقود" و"الفردوس الموعود".

 

وإذا كان الشاعر بطبعه مأزوماً ومغترباً، فإن أزمة الجواهري واغترابه الروحي معتّقان وكانا أشد قسوة عليه بعد ثورة 14 تموز (يوليو) العام 1958 من جميع مراحل حياته، بسبب مرارته وخيبته والحزن العميق الذي أصابه بعد أن كان قد حلم بالثورة وغنى لها.

 

إن اغتراب الجواهري هو اغتراب الذات المبدعة التي تظلّ أمراً إيجابياً، بل مرغوباً، ودونه يبقى المبدع تائهاً أو حائراً أحياناً، لأن مثل ذلك الاغتراب من ضرورات الحال الإبداعية فلا إبداع دون اغتراب الروح، الذي هو توكيد للأنا المبدعة التي لا تفكّر بمستقبلها مثلما لا تبحث عن ماضيها، بقدر ما ينصب اهتمامها باللحظة الإبداعية، تلك التي حاول الجواهري الإمساك بها في كل الأوقات، بل إنه لم يدعها تفلت من بين أصابعه، مثل هوّيته تبدأ وتنتهي بنصّه الشعري، الذي لا يعلو عليه شيء.

 

* باحث وكاتب

Share on Facebook
Share on Twitter
Please reload