Tel: (+420) 603 412 120

عدد الزوار

٢٢- وفي الليلة ِ الظلماءِ يفتقدُ البـدر

عبد الاله النعيمي

... والعنوان اعلام من بيت قاله عنترة بن شداد قبل أكثر من 1400 سنة بقدرة تنبؤية لافتة وكأنه صاغ العبارة لأحوال العراق اليوم وحاجته الى رمز وطني يلتف حوله العراقيون على اختلاف مذاهبهم، وقومياتهم وعشائرهم ومناطقهم.

 

 وأتذكر في هذا السياق يوم نشرت صحيفة "انترناشنال هيرالد تربيون" في الثمانينات الماضية، تحليلا عن العراق في ذروة ابتلائه بالدكتاتورية، مقترحة ان يكون شاعر العرب محمد مهدي الجواهري، رئيس الجمهورية العراقية، إذا أراد البلد ان يخرج من نفق الاستبداد والحروب.

 واتذكر ايضاً ان الجواهري كتب رداً مستفيضاً على مقال "الهيرالد تربيون" طلب مني ترجمته الى الانكليزية بحضور قياديين في الحزب الشيوعي العراقي، وسياسيين معارضين آخرين، والصديق رواء الجصاني- ابن اخت الجواهري- في داره أو "الشُقيقة"، كما كان الجواهري يحب ان يُسمي شقته لصغر مساحتها وتواضع اثاثها في احدى ضواحي مدينة براغ. ولكن الشاعر الكبير عدِل لسبب مجهول عن ارسال الرد الى الصحيفة الاميركية، وقرر صرف النظر عن الموضوع بأكمله.

 

بعد عشرين عاماً على رحيل آخر العظماء، كما سماه الفنان الرائد محمود صبري، ما أحوج العراق اليوم الى الجواهري الذي لم يعترف بانتماء سوى الانتماء الى الأسرة الانسانية.

ما احوج العراق المنقسم على نفسه اليوم الى الجواهري الذي ترفع على كل الهويات الصغرى متمسكاً بهويته الوطنية العراقية حين قال:

 

أي طرطرا، تطرطري.. تقدمي، تأخري

تشيعي، تسنني.. تهودي، تنصري

تكردي، تعربي.. تهاتري بالعنصرِ

تعممي، تبرنطي.. تعقلي، تسدري

تزيدي، تزبدي.. تعنزي، تشمري

في زمن الـذرّ إلى بداوة تقهقري

 

 بعد مرور أكثر من 71 عاماً على نشر هذه الأبيات الحارقة بسخريتها تبدو وكأن الجواهري كتبها عن العراق تحت هيمنة الاسلام السياسي.

ما أحوج العراق اليوم الى فكر تنويري يرد الاعتبار الى العقل ويثق بقدرة الانسان على ادارة شؤونه وتشريع قوانينه لتنظيم حياته.

 وهنا لا يسع المرء إلا ان يتذكر الجواهري في الحاحه على العلم والمعرفة:

 

يا علم قد سعدت بك الأوطان فليسم منك على المدى سلطانُ

وليسقِ حبّيك العراق ليشتفي منه الغليل ويرتوي الظمآنُ

هذِّب لنا أخلاق أهليه فقد غشّى عليها الجهل والعدّوانُ

ياأيّها النشىء الجديد تسابقاً بالعلم إن حياتكم ميدانُ

 

ولكن الجواهري رحل وفي قبله غصة:

 

في كل يومٍ " زعيمٌ " لم نجدْ خَبَراً عنه، ولم ندر كيف اختيرَ واختُرِعا

اعطاهموا ربُّهم فيما اعدَّ لهُم من الولائم صَفّوا فوقَها المُتَعا

 

* كاتب واعلامي

Share on Facebook
Share on Twitter
Please reload