Tel: (+420) 603 412 120

عدد الزوار

١٦- أنه عاش ابتكاراً، ويعيشون اجترارا

رياض النعماني

كيف اعتذر لك؟ بل كيف اعتذر للنسر الأبدي الذي علمنا الطيران الفذ في سماء الحرية؟ فهو لم يكن شاعرا فقط.. بل كان طريقة حياة ترى نفسها ودينها في فكرة التحدي ومقاومة عناصر وقوى القبح والتخلف والردة أيا كانت مرجعيتها وسلطتها..

 

انه كائن الشفير، والتأهب الدائم للحظة المقارعة والنزال وامتحان الذات في تحدي كل شئ.... هكذا كان -كالمتنبي - لا يعثر على وجوده الحق وكرامته إلا بتمريغ الحاكم بتراب ولغة لا تهادن عصرا أو قبيلة أو جماعة أو أفراد..

 

هو نفور من كل ثابت وراكد لأنه طائر الجنان والاعالي وليس رماد الخرائب ولا مستنقعات الموت. لأنه فتى الأهالي العالية. يا له من مهيب وسيد نفسه النادرة.، و يا له من عجيب فهو وان كان المنحدر من صلب العمود الشعري العربي لا يصدر في رؤيته الشعرية إلا عن المستقبل.. وهو القائل محاورا النفس:

ذنبه ان كان لا يلقي على النفسِ ستارا

أنه عاش ابتكاراً، ويعيشون اجترارا

 

لم يهدئ يوما ولم يستكن ولم يجد راحة إلا في عرام لهب سوح المعارك التاريخية الكبرى، والا في قيامة شعبه ووطنه..

 

 اذا اردنا ان نقرئ تاريخ العراق ومآثرة ومجد أبنائه لنقرأ ابي فرات. واذا كنا نسعى الى ابداع المقاربة الأعلى لكنه العراق.. ينبغي أن نجرب مذاق السعف قبل التمر، وأن نكون مهيأين للحظة اختراق صعبة لازمان وحقول وأوضاع وأوضار ومدلهمات عسيرة الاختراق.

 

ولفرط ما عاش الجواهري في صميم المواجهة والتقلب على نار الخطر يبدو لي كمثل ذئب جريح اجتمعت عليه، وتحاصره جموع من وحوش كاسرة.. هي دائرة النزال وهو بؤرتها وربها وقطبها الذي يدور بسرعة الجناح، وخطورة وحيد القرن الذي لا يطبق جفنا لأنه يعرف بالضبط لأي أمر عظيم خلق، ولصناعة اي زمان، وأي قول لا يقوله القول إلا بولادة شاعر فريد مثله..

 

وفي مناخ إشتعالاته العارمة هذه، كانت تتشكل حركة وطبيعة لغته الحارة، الملتحمة بجذور ونتوءات أشياء ومكونات الواقع الصعب، حيث صرنا نرى لعبارته إرتعاشة وتوتر الأعصاب المستفزة... قوة وفجاءة ضربة البرق، أو سرعة إلتفاتة الذئب المحاصر، وصرخته الخارقة. ( فتى خبط الدنى، والناس طرا ) ليحوز لنفسه بعد ذلك خلاصة خلاصات الحياة والمعرفة... ( فآلى أن يكونهما..، فكانا ) والجواهر في كل هذا - وبسبب من طبيعة تجربته الواسعة والمتنوعة - كلي الأحاطة بشمولية الحياة ومتغيراتها التي يأتيها حتى في أوان خطرها المحدق بطرب عال.. كأنه وبقدرة هائلة يؤسس ويوازن عناصر الوجود على كيفه بدقة متناهية.

 

* شاعر وكاتب

Share on Facebook
Share on Twitter
Please reload