Tel: (+420) 603 412 120

عدد الزوار

٦- الحرية الجواهرية

ابراهيم الخياطجاسم المطيـر

كلامي عن شاعر العرب الاكبر محمد مهدي الجواهري هو كلامُ حبٍ للشعر العربي، كله. انه كلام حب جيل كامل ناضل من اجل ان يكون الشعب العراقي ناطقا فكان الجواهري واحدا من أبرز ناطقيه في القرن العشرين .. كان الناطق الاروع، بل كان هذا الشاعر قضية وطنية بحاله وحال شعريته ضمن قضاياه الايجابية الكبرى ، بما ملك من جوانب شعرية كبرى وجوانب سياسية كبرى ،ايضا ، اثرت على مراحل مضت وربما تبقى مؤثرة على مراحل قادمة.

 

ربما قيل الكثير عن الجواهري، شاعراً وسياسياً وصحفياً وانساناً، في مقالات ومحاضرات ودراسات وابحاث واطروحات جامعية، بما يجعلني، اليوم ، في حال من القلق عن مقالة متناسبة اكتبها مع مكانة الجواهري وطاقاته المعرفية، استجابة لطلب الاخ العزيز رواء الجصاني مدير مركز الجواهري في العاصمة الجيكية – براغ إذ حثني على الكتابة بمناسبة الذكرى السنوية العشرين لرحيل الجواهري في 27 – 7 – 1997 ..

 

في ليلة السابع والعشرين من تموز عام 1997 كنت في السماء العالية على متن احدى طائرات الخطوط الجوية الاردنية متجهاً من عمان الى باريس.. جاءني الطيار بعد اقلاع الطائرة بوقت قصير.

جلس الى جانبي في المقعد السادس بالدرجة الاولى.

قال لي:

• مرحبا ايها السيد جاسم.. هل تعلم انت العراقي الوحيد صحبة هذه الرحلة.

بسجية البساطة والاستغراب اجبت:

• لا ادري.. انتم اعلم..

قال :

• نعم نحن نعلم انك الوحيد في هذه اللحظة .. لا بد ان تعرف ان الشاعر محمد مهدي الجواهري قد رحل من هذه الدنيا الى الابد .. نقدم لك و للعراق والعراقيين وكل العرب تعازينا الحارة .

شكرته متألماً لأنني سمعتُ خبر رحيل الجواهري وانا في السماء .. بينما الكابتن المحب للشعر اعرب عن اسفه لرحيل بحتري العصر الراهن واتذكر انه قال ما معناه ان الشعر العربي اصبح شهيداً برحيله.

اعرب عن اسفه ان الشعر العربي بعد الجواهري سيكون بلا اكتراث من احد بمستوى الجواهري:

• كل شعر بعد الجواهري لن يكون جواهريا لأن الجواهري خاتم الشعراء العرب ولا وريث له.

شكرته مسرورا لأن هذا الكابتن الاردني يحب الشعر ويحب الجواهري ،متحدثا بكلام فذ، لم اتوقع صدوره من كابتن طائرات، لكنني بقيت ساعات السماء كلها بين عمان وباريس افكر عن عمق وعيه بشعر الجواهري وانا في السماء العالية.

 

في اليوم التالي كان الحديث الاول والاكبر بيني والاصدقاء الاوائل الذين لاقيتهم بباريس عن الراحل الجواهري. اول لقاء كان على مائدة عشاء أولمها لي الصديق العراقي القس الدكتور ادمون هرمز مع مجموعة اصدقاء آخرين قدموا تعازيهم للعراق، كله ،برحيل شاعر العرب الاكبر محمد مهدي الجواهري. في اليوم التالي كان لقاء العشاء بمطعم لبناني مع الصديق الدكتور ماجد نعمة رئيس تحرير مجلة افرو-اسيا كان فيه الحديث الرئيسي عن رحيل شاعر العرب وفي لقاء اخر استضافني فيه بأشهر مطعم هندي بباريس الدكتور عزيز الحاج كان الموضوع نفسه واحاديث عن ذكرياته مع الراحل ايام كانا في براغ خلال فترة ستينات القرن الماضي . استمر نفس الموضوع بمتناولنا كلما التقيت مع عراقيين في اثناء تجوالي في سفر بعد باريس شمل هولندا والمانيا ايضا .

 

بدا لي ذلك اليوم ، يوم نشيد حزين، ينشده العراقيون لرحيل الجواهري في زمان يقتضي وجوده ، حياً، يتصدى بصوته رافضاً الاستعدادات الحربية لتسويغ الحصار الاقتصادي وتجويع العراقيين جميعا في تلك الفترة.. كان يمكن ان يضطلع صوت الجواهري بمهمة سياسية – شعرية ناطقا باسم العراقيين ضد التهديد والخطر المحيط بهم من كل الجوانب.

 

اليوم ، بعد 20 عاما على رحيل الجواهري، اجد نفسي منشغلا بنفس القضية وانا في هولندا منذ ورود رسالة الاخ رواء الجصاني وتكليفه لي بكتابة مقالة عن الجواهري الشاعر العظيم بهذه المناسبة السنوية .

 

يطبق الضجيج في دماغي ، الآن، وانا اكتب هذه المقالة عن الجواهري.. كيف ابدأ وكيف انتهي وقد كتب اخرون كل شيء عنه منذ طفولته حتى وفاته وما بعد وفاته ، ايضاً.

 

وجدتُ وما زلتُ اجد ان الكتابة عن الجواهري أمر في غاية الصعوبة بالنسبة لي.. يعني اول ما يعني أن عليّ ابتكار حروف جديدة وافكار جديدة عن حرية الشعر ، حروف جديدة عن حضارة الشعر، شعرت بحاجة الى نوع من الابتكار الابداعي العالي الشكل والمقام كي يليق بمقام الجواهري ربما لا املكه . اقول صراحة انني لا املكه.

 

كل من يكتب عن الجواهري ينبغي ان يكون قادرا في التعرف على الكيفية التي استطاع الشاعر الجواهري بها ان يضمن مصير حياته كما جرت وربما بنفس ما تمنى وارادها ان يكون شاعرا حرا في المقام الاول.

 

كان عالم السياسة والغربة والمضايقات الطائفية والاضطهادات الحكومية قد هدد على الدوام جميع طاقاته الادبية والشعرية والسياسية والحياتية ، لكنه تغلب عليها جميعها، منتصرا بإصراره على الابداع بالكلمة الحرة ، الصادرة من اعماقه، حتى بأقسى الظروف والمواقف. لا بد من القول أن سر عظمة الجواهري يكمن، أولاً واخيراً، ان شاعر العرب في القرن العشرين محمد مهدي الجواهري اصر على ان يبدع بالكلمة الحرة ، بالكلمة الشعرية الحرة.

 

لكن أي كلمة.. ؟ أي كلمة شعرية اختارها لنفسه لكي يستحق ان يحيا حياته المقاربة مائة عاماً، مليئة بواقع المغامرات الادبية والسياسية الكثيرة ، المتفاعلة بزمان ومكان عيشه داخل الوطن وفي غربته مما جعله في الموقع الاول بنظر رفاقه واصدقائه واعدائه ايضاً، بل حتى استطاع ان يجعل الكابتن الطيار الاردني ان يحفظ نصف خزين شعره ..؟

 

اختار محمد مهدي الجواهري طيلة سنوات عمره نوع الكلمة الحرة يقولها بأرقى مفردات اللغة والتركيب وبأعلى اشكال الحب والمعنى والمعرفة.

 

كانت قصائده مليئة بالحرية ، منحدراً نحوها ، عقلاً وشعوراً، في ظروف سلبية قاسية وفي ظروف الغربة الايجابية احياناً. تسلح عقله الشعري الفني بأرقى مستويات فن اللغة الشعرية، تسلح عاطفيا بآمال الجماهير الشعبية الفقيرة، تسلح بالكلمة الحرة صارخا بوجه الظلم والظالمين. تداخل شعوره مع وطنه، مع الواقع الاجتماعي ، مع الشعب كله، مع قلق الشعب العراقي في كل المراحل والعصور ، التي مر بها منذ بداية القرن العشرين حتى نهايته، كانت فيها طاقته المعتمدة هي (الحرية)، حرية الكلمة السياسية وحرية القصيدة الشعرية.

 

حسب جون بول سارتر، ان كلاً من الفنان والشاعر والمسرحي والكاتب السياسي يمكنه ان يتصرف بمفرده اذا استملك قدراته الخاصة على استبصار الحرية .

العلاقة إذن بين (محمد مهدي الجواهري) و(الحرية) هي سمة من سمات الاستبصار الشعري او نتيجة من نتائجه، من السهل على الدارسين المتعمقين استقراء تفاصيلها ومن السهل على الباحثين افتراضها في الشعرية الجواهرية كلها.

لست معنيا ، هنا، في البحث عن قاعدة الحرية في شعر الجواهري، بل التذكير ببعض قيمها النسبية وبعض اشكال تعدديتها .

 

ما هو معروف ومؤكد ان اسبقية الشعر عند الشاعر والانسان محمد مهدي الجواهري هي في (التنوع) الشعري المرتجى في نظمه وكتاباته، مختارا السيرة النضالية الذاتية نحو الاعماق الشعبية . يمكن القول ، هنا ، اكثر من ذلك ، فقد قادته التعددية الشعرية الى اعتناقه شرعة الحب للإنسان العراقي والعربي وفي كل مكان من العالم .

نراه ونسمعه ينشد بالقاهرة او في بيروت او دمشق او براغ او في بغداد وموسكو وغيرها معربا ان الشمس تلفح سمرته العربية وان النجوم بكل مكان ترقص بعينيه هيفاء مدرجة في حقل الحضارة الانسانية .

 

الجواهري في شعره كله من اوله الى اخره يتصرف بقدرة خاصة على استبصار (الحرية) كنقطة اولى واخيرة في البيت القصيد. كل قراءة او استقراء عملي يقوم به القارئ يظن انه يقف امام فيلسوف، امام شعر فيلسوف. القاعدة الاساسية في هذه الفلسفة هي (الحرية).

 

كل حالة من اللجوء الشعري في قصائد الجواهري نجده متجها الى بصيرة اخلاقية ، عليا ، واسعة، ليقرر بها سمة من سمات (الحرية) سواء ناطقا باسمه في وطنه او اثناء وجوده في منفى او مغترب لا يتجاوز غاياته النسبية عن ارض ميلاده مهما كانت القيامة قائمة فيها، او كان ضمن حركة التاريخ المتقدم في مدينة من مدن البلدان الاشتراكية السابقة. المثال المعطى، هنا هو نداءه من براغ عام 1962 الى نهر دجلة : حييت سفحك عن بعد فحييني..

 

يا دجلة الخير يا ام البساتين.. حييت سفحك ظمآنا ألوذ به.. لوذ الحمائم بين الماء والطين.

هنا في هذه القصيدة يلتزم وجدانه الفلسفي بالحرية الممهدة له ان يعتنق العراق وطنا في غربته يلوذ به كما تلوذ حمامة غريبة او جريحة . الاقل من الرؤية والمعايشة وفي الاكثر من الحب والمعاناة فان الجواهري يعاصر (الحرية) أرضاً وماء ، شعبا وطبيعة. إنه ينهض من (الحرية) كطاقة عظمى في الحركة الشعرية.

 

في قصيدته – كل قصيدة - نراه يتوسم (الحرية) كلها ، كأنه يتوسم التاريخ الانساني في مدى انساني واسع يجد فيه منطق التاريخ والانسان .

في كل خلاصات العطاء الشعري للجواهري يجد القارئ والمتتبع والباحث نفسه امام تفاعل الجواهري مع احداث المجتمع والسياسة والقهر الذي يعانيه مع ظلم الناس للناس، مع ظلم الحكام للمحكومين ، مع ظلم الأقوياء للضعفاء، في زمن لا يسمع صوت الضحية المجلودة. يجد قارئ او سامع شعر الجواهري نفسه امام سؤال فلسفي اكثر تعقيدا وصعوبة : اية حرية هي الحرية الجواهرية..؟

 

يمكن ايجاد جواب حاسم عن هذا السؤال لأن الشاعر الجواهري في قصيده وقصده ابتدع طريق الوصول الى العدالة الاجتماعية والى ارادة الانسان وقد عرف صبره وفي تولي صنع مستقبله بنفسه وفي حقه وحريته في اعتناق مصيره في الحياة الكريمة.

 

سؤال ( الحرية الجواهرية)هو سؤال كانتي (نسبة الى الفيلسوف كانت) حيث وجد عنده تطلعاً نحو تخصيب الذات من دون الوقوف في عصمة المبهم المغيب.. الحرية لها وجه ولها باطن.

سؤال الجواهري عن الحرية هو سؤال كينونة ووجود انجلزي (نسبة الى الفيلسوف انجلز رفيق كارل ماركس) حيث وجد الحرية وحدة نضال انساني في نظام سائر نحو تكامل الحرية الانسانية.

تناول الجواهري كل معطى في ابيات قصائده عن الحرية بمعاني الاتصال بالأخر.. الاتصال بالشعب جوهر الابجدية الجواهرية المشتركة مع قضايا الشعب ذاتها.

 

كثير من اسئلة (كانت) حول المشكوك والمؤيد واسئلة (انجلز) حول حرية المرأة ، كذلك اسئلة البحتري وابن رشد وانسان مدينة النجف ودجلة والفرات كان لها معطى واضح او مخبوء في بيت قصيد الجواهري، تجد فيه بديلا مقاربا او متكاملا او نقيضا في بيت آخر، ربما ينير جوابا عن ظمأ الانسان او عن ارتوائه ، ربما يتيح فعلا اخلاقيا اجتماعيا او سياسيا في المعطى الشعري نفسه او في القصيدة نفسها .

 

هكذا نجد ( الحرية الجواهرية)المتنوعة الأداء و الاوضاع على نحو معقول ، على نحو علماني حقيقي، على نحو ثوري خالص وقد ظلت ( الحرية الجواهرية)غير منتمية الى حزب او حركة دينية او طائفية، ظلت منتمية الى الصداقة والحب والمساواة وقلوب الناس جميعا والمناضلين خصوصاً.

 

هدف ( الحرية الجواهرية)هو الوصول، ليس الى السعادة وحدها، بل كان محمد مهدي الجواهري يرنو الى تفجير كل كوامن السعادة الانسانية ، حتى صارت ( الحرية الجواهرية)استاذة في كل جامعة وقصاصة في كل حكاية ومنصفة في كل خلاف وأًما لكل ولد وبنت وميعادا في كل غرام ,

( الحرية الجواهرية) هي حرية مثل باقي الحريات الانسانية، لكن من نوع شعري خاص، من نوع جمالي خاص، من نوع فعلي وفعال خاص، و على درجة عالية من الفن الشعري العالي المستوى بقواعد اجرائية تجد شروط نموها وتكاثرها في عقول الناس الى تاريخ مستقبلي بعيد ،بين اجيال وحالات يرقى بها الناس متحدين بالحرية التقدمية وبالطاقات الابداعية، الخالقة الناطقة، مؤدية معنى التاريخ النضالي للشعب العراقي المناضل.

 

  • كاتب وباحث

Share on Facebook
Share on Twitter
Please reload