Tel: (+420) 603 412 120

عدد الزوار

١٠- الجواهري، قَرْنٌ من الشعر

     

حسان الحديثي

        لم يعرفْ الشعر العربي منذ قرون عديدة عبقريةً متفردةً كعبقريةِ محمد مهدي الجواهري، وسيجد المتتبعُ لشعرِه الدارسُ لأدبِه أنه أمام أطوار شعرية تصاعدية تُمثل عقوداً من حياة محمد مهدي الجواهري، ولعلنا نستطيع ان نلقي نظرة من بعيد على حياته لنزدادَ فهماً ودرايةً بحياتِه التي انعكست على فنِه وادبِه

 

     فالجواهري هو الصبي المنطلق من أزقةِ وحواري النجف المُتعلم في مدارسها الدينية الضاربة في القدم، المتجرع شوك ألفية ابن مالك وجفاف كتاب سيبويه في صغره ثم الناهل من أمالي أبي علي القالي والمتمعن في نسيج ادب الجاحظ في البيان والتبيين، والجامع بين فقه اللغة وعلوم البلاغة والبيان إلى النقد في كامل المبرّد وأدب ابن قتيبة.

 

     الجواهري هو الطالبُ الذي نحت اللغةَ بآلةِ الدرس والإجتهاد ثم جمّلها من خلال الإطلاع على آداب وفنون الشرق والغرب والإحاطة بالتاريخ حتى تربع على عرشها فأصبح يقلّب المفرداتِ بقلب عارف وعقل عالم حتى غدت عنده أطوعَ من الطين في كف الكوّاز

 

   الجواهري هو الحالمُ والطامحُ الى شرفِ الريادةِ في فنه وأدبه المتنقل بين بغداد ودمشق وبيروت وغيرها من المدن العربية حتى وسع افاقها واحتوى فضاءاتها وتشرّب عراقتها ثم المتغرب في مدنية آوروبا وحضاراتها حتى ايقن أن طول المسير من دون غايٍ مطمح خجل

 

      الجواهري هو الشاعر والأديب الذي ظل يرمِقُ المعاني بإسجاح ولطف وترمقه بالف طرف فادرك دون مبالغة ولا تكلف انه شاعرٌ ولقد ولد كي يكون شاعراً، وقدره ان يكون شاعراًحتى جلس على عرش الشعر فلقب عن جدارة بـ "شاعر العرب الأكبر"

 

      الجواهري هو المتمكن في ثمانية عقود من الشعر أن يصلَ أوَّل الشعْرِ بآخرِه وأن يُعيدَه سيرتَه الأولى بعد أن شطَّ ومالَ كثيراً، فهو الشاعر الذي ألبس الحَداثةَ بالتليدِ مستفيداً من حافظتِه العجيبةِ وإدراكِه لشعرِ الأولين وذكائِه الفريدِ في فهمِه لأساليبِ شعرِ المتأخرين، فهو -في ما أرى- إمتدادٌ طبيعيٌ لأربعة عشر قرناً من الشعرِ وحلقةٌ لا بدَّ من وجودِها في السلسلِة الذهبية للشعر العربي الذي ابتدأ بالنابغة وامتد بجرير والمتنبي والشريف الرضي وصولاً اليه فهو العباسيُ الذي ولد متأخراً بأثني عشرَ قرناً من الشعر وهو النافذةُ التي اطلّت منها عينُ الأدب الحديث على نهر تراثه من منبعه حتى مصبه وهو الناسجٌ بين لُحْمَةِ التليد وسَدى الحديث بين رصِّ الجاهليين وديباجة العباسيين وحداثة المتأخرين

 

      وهو الشاعرٌ الذي جُمعت له قوة ومتانة البناء الى أناقة الالفاظ فجاء شعره شامخَ الطودِ ممردَ الصرحِ هائلَ المحتوى وهو الأديبٌ الذي أخذ مكانَه ومكانتَه بكلِ حزم ومقدرة فكان خير أديب يُبتـــــدأُ ويختتمُ به القرن وهو الفيلسوف الذي البس الفكرة وشي الفهـــم حتى رفع طلاسم المثوى والمضجع وردها عن عَرَضِ المطمع.. الجواهــــري، هو قَرْنٌ من الشعــــر

.

* كاتب وناقد ادبي

Share on Facebook
Share on Twitter
Please reload