٧- حضور الجواهري في جامع براثا

     

ابراهيم الخياطد.جمال العتابي

     في تسعينيات القرن الماضي، يتفتح لهب تموز والحزن في بغداد، وتغزو العراق أرتال من الجوع، يقودها عرّابو الحصار من خوف إلى خوف، لانتذكر كم مرّ علينا وقت يوم غادرتنا الأحلام، إذ توهمنا أنها لن تغادرنا، سرقتها الحروب، حتى أحلام الطفولة مقموعة هي الأخرى، الحصارات رمت البشر بالفقر والعاهات، وضيعت الدكتاتورية الوطن، فضعنا معه.

 

      لكننا كنا نريد أن نحيى، لانريد أن يكون دمنا حطباً في تنور الإستبداد، كنا نقاوم عطشنا، من أجل نهار وضيء، الروح مكبّلة تبحث عن غيثها من دمع العيون، نبتكر مناسباتنا من وحشة الموت البطيء، موت الأصدقاء يتحول إلى نافذة للقاء في قيظ العراق، كانت مراسم عزاء اؤلئك الأحبة شراكة في الحب والحزن والأمنيات، وتحدياً من نوع آخر للسلطة، شكلاً بديلاً لإستفزازها ومواجهة مضمرة للإدانة والرفض، فتحولت إلى ظاهرة دون إطارات فكرية محددة، تصنعها الجماعة بكل عناياتها العقلية.

 

     هكذا كانت مراسم (عزاء) الجواهري الكبير في جامع براثا، في تموز من عام 1997، لم يكن عزاءً، فما زلت أعيش تلك اللحظات والأيام التي تلقينا فيها نبأ وفاة الجواهري، الخبر بالنسبة لنا أشبه بالمتنفس من ضغوط النظام، لم يكن الحدث بمعنى الغياب، بل كان بحثاً عن لغة تعبير جديدة، في مرحلة تاريخية عاصفة من تاريخ العراق..

 

      كانت الوفود والجموع تتوافد على جامع براثا في العطيفية في تلك الأماسي التموزية اللاهبة، غير آبهة بحقول الألغام التي زرعتها أجهزة الأمن ومخابرات النظام، تترصد القادمين والمغادرين. تلك اللحظة التذكارية في إطارها الزمني، كانت قضية كبرى، ويمكن لدارس هذه المرحلة أن يتلمس المتغيرات الروحية والنفسية التي طرأت على الذات العراقية، فرحيل الجواهري أحدث تحولاً عميقاً في الضمير الجمعي الثقافي والوطني والإنساني، وكان مفاجأة للنظام، بما لم يتوقعه من حضور،بمختلف الأعمار والمستويات، فأربك أجهزته وأثار قلقها.

 

      كنت أتخيل الجواهري، حاضراً، واقفاً وسط القاعة، مستقبلاً الوافدين معزياً إياهم بوفاة العراق وهو ينشد: وأركب الهول في ريعانِ مأمنةٍ حب الحياة بحب الموت يُغريني وكأن الجواهري بشموخه، يحاور تلك الوجوه التعبى، بعد طول فراق يحتفي بهم : لاتخافوا الجراح يا أهلي، دعوها تحتضر، فأنا فتاكم، حتى وإن طوى الثرى جسدي: أنا ابن (كوفتِك الحمراءِ) لي طُنُبٌ بها، وإن طاح من أركانه عَمَدُ ترى من هو الذاهب إلى هناك ؟ ومن هو القادم من هناك ؟.

 

* اكاديمي وكاتب

Share on Facebook
Share on Twitter
Please reload

Tel: (+420) 603 412 120

عدد الزوار