Tel: (+420) 603 412 120

عدد الزوار

محطات عن فلسطينيات الجواهري

 الجواهري والى يمينه هادي العلوي - دمشق 1995

 

   

يقف الشاعر الكبير محمد مهدي الجواهري على قمة الـمدرسة الكلاسيكية في الشعر العربي الـمعاصر متبوئاً نقطة الفصل بين ذروة الشعر العمودي وانحساره لحساب الـمدارس الجديدة، فهو كما وصفه صلاح عبد الصبور، خاتمة الشعراء الكلاسيكيين العظام.

  * ويقارَن الجواهري أحياناً بالـمتنبي لـما بينهما من وجوه الشبه في الشخصية والشاعرية، ولو أن الختام البطولي لحياة الـمتنبي يؤشر فارقاً خطيراً بين شاعر مقاتل أمضى حياته خواضاً في مستنقع الـموت، وشاعر عرف بالخوف من شبح الـموت ــ مع شدة استعداده لـمواراة أي سيد يبتسم في وجهه.

  *ويتميز الجواهري عن كثير من شعراء جيله في التزامه بقضايا الثورة الـمعاصرة على صعيديها الوطني والاجتماعي، التزاماً جعل من ديوانه الضخم سجلاً درامياً للصراع الساخن الذي عاشه العراق والعالـم العربي منذ العشرينات. وترتكس في شعر الجواهري قدرته الـمبدعة في تطويع القصيدة الكلاسيكية للـموقف السيا - ثقافي الحديث بمستوى مكنه من استيعاب قضايا النضال الثوري في شعر يفيض بالحيوية والتدفق رغم مغالاته في التمسك بعروض الشعر ولغته التقليدية.
  * وأميز ما في شعر الجواهري سياساته التي تعبر عن حساسيته الـمفرطة للحدث السياسي، ما يضفي على قصائده السياسية قدراً عالياً من الاحتدام تتقاصر عنه موضوعاته الشعرية الأخرى. وتبدو السياسة عند الجواهري حالة وجدانية تستقطب إحساساته فتدفع بها إلى مقام الفعل الأساسي في نتاجه، الذي غالباً ما يؤول خارج هذا الفعل إلى منظومات باردة، لولا قليل من غزلياته التي تستمد من احتراقه الجنسي ما يرفعها إلى مصاف الشعر.

  *وتدور سياسات الجواهري في ثلاثة محاور: وطنية، وقومية، وأممية. وشعره في هذه الـمحاور مشبع بنفس الحاسة الشعرية، بحيث لا يمكن الحكم مثلاً على أيها أكثر احتداماً: قصائده عن العراق أم عن قضايا النضال في الساحة العربية، أم قصائده عن الأحداث العالـمية الكبرى. ومثلـما تتساوى احتداميته في هذه الـمحاور يتساوى فشله ونضوبه، فهو يقصر عن الارتقاء إلى مستوى حدث كبير كثورة 14 تموز في العراق فيكتب عدداً من الـمنظومات الـمطولة تكشف عن حالة نضوب إذا قيست بملاحمه العراقية الـملتهبة التي سبقت هذا الحدث، وهو يفشل في إثارة الوجدان الشعري تجاه معركة تاريخية كمعركة سواستبول التي خاضها الجيش السوفييتي ضد الغزاة الهتلريين إذا قيس بملحمته الهائلة عن ستالينغراد. كما يتراجع من الشعر النضالي إلى النظم الفاتر في بعض قصائده عن فلسطين أو مصر أو سورية بصرف النظر عن مدى احتدامية الحدث الذي تتناوله القصيدة.

  * ويؤكد هذا التعادل في الفشل والنجاح ارتهان الحدث بوجدانه الشعري، وكون الشعر عنده ليس مجرد مناسبة للتعليق على الهوامش، فهو خاضع لنفس الـمعايير التي يخضع لها أي شاعر معني بمشكلات أخرى، وبالتالي محكوم بنفس عوامل الحيوية والنضوب التي يخضع لها غيره من الشعراء.
 * تندمج قضية فلسطين عند الجواهري في مجمل اهتماماته بقضايا حركة التحرر العربي وهي بذلك لا تنفصل عن مجمل بيئته الـمحلية، مع شيء من التركيز على الـموضوع الفلسطيني بحكم خصوصيته.

*   وقد كتب عن هذا الـموضوع ثماني قصائد ومقطوعة واحدة تقع في نحو من 545 بيتا يتشكل منها ديوان مستقل للجواهري عن فلسطين. وقد تناولت فلسطينيات الجواهري هذه بمقالة في يومية "طريق الشعب" لسان الحزب الشيوعي العراقي عام 1975، إن لـم تخنّي الذاكرة، وأعيد نشرها في جريدة البيان التي يصدرها حزب التقدم والاشتراكية الـمغربي. ولو حصلت على نص الـمقالة، وأنا أقدم لهذه النشرة، لأرحت واسترحت لكن حياة التشرد والاضطرار إلى العيش خارج العالـم قطعتني عنها مع ما حجبتني عنه من كتبي وأوراقي. وسأسعى هنا لاستعادة بعض الأفكار التي تضمنتها تلك الـمقالة، وربما ساح القلـم سياحة تبعده عن أصول النص الأول، والـمسؤول عن ذلك أنا وحدي..
  * تتأرخ فلسطينيات الجواهري بين الحدث والـمناسبة والتأمل. وتندرج على ملاك الحدث قصائده التي كتبها في الـمنعطفات التاريخية التي مرت بها القضية. ويشمل ذلك: أولى القصائد الـمسماة "فلسطين الدامية" التي كتبت عام 1929، والثانية الـمعنونة "يوم فلسطين" وقد نظمها الشاعر في سورية عام 1938، والدالية الـمطولة لعام 1948، أما قصائد الـمناسبة فهي الحائية (ذكرى وعد بلفور) 1945 والبائية (يافا الجميلة) 1946 و(الفداء والدم) 1968. وعلى ملاك التأمل غير الـمرتهن بحدث أو مناسبة، عينيّته (اليأس الـمنشود) 1947 والرائية (اللاجئة في العيد) 1952.

  * وبين القصائد تفاوت كبير في مستوى الشعر دون أن يرتبط ذلك بظروف إنشائها. فنحن نجد قصيدته "يوم فلسطين" التي قال إنها كتبت والثورة الفلسطينية على الاستعمار البريطاني على أشدها، خاوية تماماً، مجرد منظومة ألصقت قوافيها إلصاقاً، بينما نجد الحائية التي ألقيت في حفل روتيني أقيم ببغداد في ذكرى وعد بلفور نابضة بالحياة.

  * وبينما نقرأ في "اليأس الـمنشود" شعراً سياسياً متيناً بالغ العمق نجد الـمطولة التي حيا بها الجيوش العربية الـمقاتلة في فلسطين فاترة عند قياسها بظاهر الحدث. ومن الغريب أن نجد مقطوعة من أربعة أبيات كانت كما يبدو مشروعاً لقصيدة في نفس الـمناسبة تلتهب التهاباً، بحيث تشغل من إحساس القارئ مكاناً لا تتسع له الدالية أم الـمئة بيت، هذا رغم أن الـمُخاطب في الـمقطوعة، وهو الوصي على عرش العراق، لا يمكن أن يثير لا باسمه ولا بدوره ولا بحجمه أدنى درجات الحرارة في الأرواح الباردة!

  * القصيدة الـمعنونة "فلسطين الدامية" كتبت كما قلت سنة 1929، وهي برهة مبكرة جداً في تاريخ القضية، ما يؤشر من جهته وعياً فلسطينياً مبكراً في السياسات العراقية. وهي بالنسبة للجواهري من شعر الشباب الذي كتبه قبل أن يستكمل نبوغه الغني، ونبوغ الجواهري تأخر حتى أواخر ثلاثينياته. وحبكة القصيدة غير متقنة إلا في أبيات منها، لكنها تتفجر بالوجدان الثوري فتكتسب من ذلك حرارة تدل على عمق وصدق الـمعاناة رغم قصور الأداة الشعرية لدى الشاعر الشاب. وفيها يعبر الجواهري عن إيمان شديد بالعنف الـمسلح كأداة وحيدة لـمجابهة العدوان الاستعماري على فلسطين ويندد باللجوء إلى الـمحافل الدولية أو الاستنجاد بمعسكر الأعداء الذي يقف وراء الصهيونية ويمدها بأسباب القدرة التي ستمكنها من مصادرة فلسطين. وتسجل القصيدة بذلك احتجاجاً مسبقاً ضد الخط الدبلوماسي في الثورة.

  * وتتميز دعوة الجواهري هنا إلى العنف الـمسلح بأحاديتها كمشروع للثورة الفلسطينية، لأنه في سياساته العراقية يركز على الفداء السلبي الذي يتحقق في ساحة الصراع بين الجماهير العزلاء والسلطة الـمسلحة. وتخلو قصائده العراقية من الدعوة إلى الكفاح الـمسلح، ما يكرس في حد ذاته نقطة ضعف متأصلة في تاريخ النضال الوطني والاجتماعي بعد ثورة العشرين (1920) وهي العمل الـمسلح الوحيد الذي عرفه العراق الحديث.

   * تمتاز هذه القصيدة كذلك بشمولية الـموقف من الاستعمار كنموذج تاريخي للعلاقة الصراعية بين العرب / الإسلام من جهة وبين الغرب من جهة أخرى. ومن هنا وصْلُه فلسطين بالأندلس. وهو متجه سليم تاريخياً، فالصراع ضد الغرب لـم يبدأ مع الاستعمار، والـمجابهة بين العالـمين العربي والأوروبي لها عمر مديد في الـمنطقة يرجع إلى العصور السامية السابقة للعرب وللإسلام. وقد أخذت في كل أطوارها صورة واحدة هي الحرب. والجواهري مصيب في تصور شمولية هذا الصراع وفي التأكيد على جانبه القتالي، ولعل هذه الشمولية هي التي أضفت الحرارة على القصيدة رغم أنها كتبت في جو أقل التهاباً من جو القافيّة الفاشلة التي نظمها بعد ذلك بعشر سنين. لكن الربط بين فلسطين والأندلس غير صائب علـمياً.

  * فالأندلس مثلت التجاوز الذي خرج بين العرب من حدودهم، وفلسطين تمثل حالياً التجاوز الـمضاد الذي خرجت به أوروبا من حدودها. ومن دون أن نكون في حاجة إلى الرثاء لبلد أوروبي يرزح تحت وطأة الفاتحين ــ وأوروبا كانت في مجمل تاريخها ظالـمة أكثر منها مظلومة ــ فمن الـمؤكد أن الأندلس ما كانت لتضيع لو أنها كانت جزءاً من أرض العرب، ومقارنتها بفلسطين مصادرة شعرية تغفل عن حقيقة أن فلسطين موضوع للاحتلال لا للضياع، وقد سبق لها أن رزحت تحت احتلال أوروبي مماثل دام مئتي عام ثم عادت إلى سكانها. وهي ستعود هذه الـمرة أيضاً وتحت تأثير نفس القانون الذي أعاد الأندلس إلى أهلها.

  * قصيدة يافا كتبت في 1945 بمناسبة حفل تكريمي أقامه الوسط الثقافي في يافا للشاعر. وهي قطعة شفيفة متطامنة تغلب عليها رومانسية الجمال اليافاوي، ولـم يتطرق الشاعر فيها إلى موضوع فلسطين رغم أنه ألقاها في وقت كانت القضية تقترب فيه من ذروة الأزمة. وفي القصيدة مسحة وحدوية عرف بها الجواهري الذي حمل لوقت طويل لقب (شاعر العرب الأكبر) ولو أنها خالية من مزايدات الفكر القومي لأنها تعكس عفوية شاعر عربي يرى في كل مكان تصل إليه قصائده جزءاً طبيعياً من وطنه.

 * الحائية "خذي مسعاك" ألقيت عام 1945 وهي ذات مسحة تأملية رغم اقترانها بمناسبة. وفيها يكرر الجواهري دعوته إلى العنف الدموي الذي يعتبره حلاً وحيداً لـمشكلة العدوان، ويستهل به القصيدة في مقطع كامل ينز بالدم يختمه بهذا البيت الـمدوي الذي كان الوطنيون العراقيون يرفعونه لافتة في تظاهراتهم ضد الحكومة في أواخر الأربعينات وأوائل الخمسينات:


وتاريخ الشعوب إذا تبنى دمَ الأحرار لا يمحوه ماحي
ثم يتطامن الجواهري فينتقل إلى جو آخر مختلف تماماً حين يستعيد مشاهداته في فلسطين بمقطع طويل من شعر الوصف التقليدي الـمطعم بخياله الخاص. ويكرس جزءاً من القصيدة لأوضاع العراق يعود منه إلى فلسطين ليحذرها من السياسات الـمساومة التي تغص بها الساحة العراقية منتهياً إلى التنديد بـ "الحلول" ما يقترن بها من التنظير السياسي الذي:

يخرّج ألف وجه من حديث ويخلق ألف معنى لاصطلاح

وغريبة قدرة هذا الشاعر على الاستشراف!

   *  اليأس الـمنشود" كتبت في 1947 مع ظهور نهايات النكبة. وهي قصيدة توجيهية كتبت بلغة متينة واستخدم لها الشاعر بحر البسيط لتكون أكثر استيعاباً لأفكاره مع ما يوفره هذا البحر من شدة الإيقاع. وتستعيد القصيدة جو العينية الـمشهورة التي حذر بها لقيط بن يعمر الأيادي بني قومه من نوايا كسرى. وقد ركز الجواهري هنا أيضاً على الاندفاع خارج الحلول السلـمية، وهو ما أراده من الدعوة إلى اليأس وقطع حبال الأمل بغير السلاح. وتحتوي القصيدة على مقاطع بارزة عرضت بلغة التحليل الشعري التي عرف بها الجواهري قضايا أساسية في السياسات العربية يبدو أنها لـم تفقد "زهوها" حتى الآن:

شدوا بذيل غراب أمة ظلـمت تطير إن طار أو تهوي إذا وقعا

وخوفوها بدب سوف يأكلها في حين سبعون عاماً تألف السَبُعا

في كل يوم زعيم لـم نجد خبراً عنه ولـم ندر كيف اختير واختُرعا

 * إن خبرة الجواهري بالواقع العربي هدته إلى تعيين الـمصدر الذي يتولد منه "القادة". والجواهري، الذي كان حتى أواخر الخمسينات يتكلـم بلغة ستالين - يملك من الوعي السياسي ما لا يملكه اليوم معظم الـمؤدلجين البارعين في التحليل والـموازنة.

  * دلالاً في ميادين الجهاد" نظمها الجواهري لتحية الجيوش العربية التي دخلت فلسطين في 1948.

 * والجواهري، كغيره من الواعين، لـم يكن مقتنعاً بجدية الـمهمة التي يقوم بها جيوش تقودها حكومات عميلة. وقد اضطر إلى نظم القصيدة في حينها أمام إحراج وضعته فيه جريدة حكومية تسمى "الزمان" انتقدته لسكوته عن الحرب الدائرة في فلسطين وذكرته ــ مزايدة عليه بالوطنية ــ بقصيدتين عن ستالينغراد ومعركة العلـمين. فنظم الجواهري مطولة في مئة بيت افتتحها بتحية الـمقاتلين في فلسطين ثم تحول عنهم مسرعاً إلى معالجة أمور تتعلق بأصل النكبة ومقدماتها. والقصيدة فاترة لا أثر فيها للحرب، ومتشائمة لا تأخذ ما كان يجري مأخذ الجد وقد جاءت أشبه بمقالة تحليلية للواقع العربي منها بقصيدة تكتب لتحية جيوش مقاتلة. وهي مع هذا قصيدة جواهرية بانسيابها وقوة حبكتها، وأصالة قوافيها التي زادت على الـمئة دون أن يدركها الإعياء.

*  اللاجئة في العيد" مطولة أخرى تقع في 119 بيتاَ كتبها الجواهري عام 1952، وهي من الشعر القصصي تناولت مأساة الشعب الفلسطيني من خلال قصة أسرة فلسطينية سردها الشاعر على روي واحد وعمود واحد. فتفاوت فيها حظه من النجاح: بين تصوير حي مؤثر لأجواء النكبة وارتكاسها في نفسية البطلة، وهي أم شابة، وبين نظم تقليدي اجتر فيه الصور الـموروثة عن الليل والفجر والطبيعة. والقصيدة تشتمل على عقدة قصصية تتأوج بها الـمأساة التي تنتهي بالأم، وقد أعياها العثور على طعام لابنها، إلى بيع جسدها. ومع أن الجواهري وفق فعلاً في خلق جو مأساوي يعكس قدرته على تطويع الشعرالعمودي لأغراض جديدة عليه، فإن اختيار هذه النهاية لأم فلسطينية لا يبدو موفقاً. فالنموذج الذي مثلته القصة غير شائع في الوسط الفلسطيني، شيوعاً يجعله يتموذج في عمل أدبي.

   * وأستطيع القول هنا واثقاً، أن مجتمع الشتات الفلسطيني لـم ينتج من البغايا أكثر مما أنتجته الـمجتمعات العربية الـمستقرة. وليس لدينا ما يوثق أن ظاهرة من هذا القبيل قد تشكلت في هذا الـمجتمع بمجرد اللجوء إلى قياس شكلي يرتب النتائج على الـمقدمات بصرف النظر عن صدق الوقائع.

   * القصيدة الأخيرة في هذه الـمجموعة كتبت عام 1968 تحية لـمقاتل عراقي استشهد في عملية فدائية داخل فلسطين. وهي أطول الفلسطينيات، وإحدى أطول قصائد الجواهري، إذ تقع في 130 بيتاً. وفيها يستعرض الشاعر بلغته الكلاسيكية الفخمة مجرى النضال الفلسطيني وصوره الراهنة مكرراً دعوته إلى الاكتفاء بالكفاح الـمسلح طريقاً للتحرير وتنديده بالخط الدبلوماسي للثورات. والقصيدة تنمو، بنفسها الـملحمي، حول الـمحور العنفي للشاعر آخذة شكل بلاغ سيا ــ عسكري يقطع السبيل على الـمتراجعين إلى الحلول مذكراً إياهم بمصائرهم:

 

كانت حلول وها أنتم فرائسها وكان حلـم وها أنتم ضرائبه

وهي قصيدة متفائلة، مفعمة باستشرافات نجاح تستمدها من جو الفداء الذي أثارته الـمقاومة الفلسطينية، قارنها بالدالية الـمتشائمة التي حيا بها الجيوش.

  * ومن الـمثير للانتباه في هذه الـمطولة أن الـمخاطب الفلسطيني بها هو "فتح"، ولعل القراء من الجيل الحالي الذين عاشوا على التقسيمات التنظيمية في الـمقاومة سينظرون إلى القصيدة بوصفها "مدحاً" لتنظيم فلسطيني معين. لكني أود تذكيرهم بحقيقة مغايرة وهي أن كلـمة "فتح" كانت مع انطلاق الـمقاومة ضد الاحتلال في أواخر الستينات مرادفاً تاريخياً لاصطلاح "ثورة فلسطينية"، ويرجع ذلك إلى ارتهان هذه الثورة، منطلقاً وتطوراً، بحركة التحرير الوطني الفلسطينية، التي لـم يستهدف إعلانها إيجاد تنظيم معين على الساحة بل أن تكون أداة لثورة الشعب الفلسطيني في جملته. وإني لأذكر أن الشعراء في العراق حين كانوا يتحدثون عن الـمقاومة الفلسطينية يتجهون تلقائياً إلى استعمال مرادفها (فتح). ولنقرأ هذا البيت الطريف وهو من ختام قصيدة ألقاها شاعر نجفي سنة 1968:


صهاينة كادوا الشعوب بسحرهم وفتح عصا موسى التي تلقف السحرا

 

  * ومعذرةً للقراء من هذا الاستطراد الجاحظي الذي حملتني عليه الحاجة إلى تأكيد حقيقة تاريخية، وليس النية في دفع السأم عنهم.

----------------------------------------------------------------

* هادي العلوي بكين ــ آذار 1984 / نشرت في العديد

من الصحف ووسائل الاعلام العربية

 

Share on Facebook
Share on Twitter
Please reload