Tel: (+420) 603 412 120

عدد الزوار

لقاءات وبعض ذكريات عن الجواهــــــــــــري *

 

 

 

وثبة الشعب 1948

لقد برز الجواهري في هذا الحدث الخطير؛ شخصية شعبية للمتلقي؛ لقد كان دائما وابدا شعبيا؛ بمعنى ارتباطه بمصير الشعب العراقي بخاصة وشعوب الارض المغلوبة على امرها بعامة؛ ولكن ذلك الارتباط كان يختلف مظهرا من حيث الاجتماعات؛ والمؤتمرات والمهرجاانات الخطابية المعدة سلفا؛ تهيئة وتنظيما؛ اما في هذه الوثبة؛ فقد خرج الجواهري على القاعدة وانطلق في الشوارع العامة والتحشدات العفوية؛ يندمج بشكل مباشر وجماهيري بعامة الناس؛ دون ان يعرف من اين جاءوا .... ومن هم؛ ومن حشدهم ؟!!؛ لانهم كانوا وبالاساس مزيجا مختلطا من طلاب؛ وعلماء؛ وعمال ومزارعين؛ وجنود؛ ومحامين؛ وقادة احزاب وكسبة؛ لقد كانوا كل هؤلاء وغيرهم؛ حضروا بلا بطاقات دعوة؛ و لا استقبال؛ ولا تنظيم جلوس؛ فكان الجواهري وهو ابن هذه البيئة واليها ينتمي (بخاصة وان اخاه جعفرا قد استشهد في ساحتها)؛ قد اشتعل حماسا والتمع كالبرق الساطع؛ فامتطى سلم الجماهير في الحيدرخانة ومن شرفته الرفيعة القى قصيدته العجيبة بالمعاني والصور والاحاسيس؛ لقد كنت هذه المرة قريبا منه اتملى وجهه الطافح بالثورية والشجاعة والاباء وهو ينشد قصيدته (اخي جعفرا) بصيغة تكاد تتقطر ابياتها اسى وحرقة وهو يقول :

أتعـلم أم أنت لا تعـلم بأن جــراح الضحـايا فم

فم ليس كالمـدعي قولــة وليس كـآخر يستعلم

يصيح على المدقعين الجياع اريقوا دماءكم تطعموا

ويهتـف بالنفـر المهطـعين اهينو لئامكم تكرموا

 

كانت النسوة اللواتي أتين من مختلف محلات بغداد؛ و الشعبية منها على وجه التحديد؛ والتي تحيط بالحيدرخانة كالعاقولية؛ وعلي افندي؛ والطوب والقرغول؛ والفضل وقمبر علي ... الخ قد اخذهن الحزن فرحن ينحبن ويبكين وجلهن أميات لا يعرفن معاني ابيات الشاعر الكبير؛ ولكن احساسهن قادهن الى جوهر المقصود منها ؛ وبخاصة ما يتعلق منها بالجرحى والشهداء .

 

اللقاء الاول

في بداية عام 1950 كنت اسير مع صديقي الاديب محمود العبطة متجهين نحو مقهى الزهاوي حيث يجتمع عدد من الادباء والشعراء والصحفيون ... الخ وقبل الوصول الى المقهى لمحت الجواهري وهو يجلس في ركن من مقهى (حسن عجمي) وهولا يبعد سوى امتار قليلة عن مقهى الزهاوي؛ فاقترحت على صديقي دخول المقهى وتحية الجواهري؛ فرحب بالفكرة؛ توجهنا نحو الجواهري؛ وحييناه اولا فقام مصافحا كلا منا بلطفه المعهود؛ والح علينا بالجلوس وتناول الشاي؛ فجلسنا ودار حديث شيق في الذكريات؛ فقد حدثنا الجواهري عن بيئته الصعبة التي عاش فيها والحياة القاسية التي عاناها في طفولته وشبابه ولكنه بارادته الفولاذية استطاع ان يتحداها بالدرس والحفظ والانكباب على المعاجم ودواوين الشعر الموروث؛ فيزيد من ثقافته ويختزن المفيد منها في حصالة ذهنه؛ وبعد هذا الحديث الذي ملأنا ثقة واندفاعا نحو المثابرة والتحصيل؛ ابدى رغبته الشديدة في معرفة اتجاهات الادباء الشباب؛ واضاف ان جريدة (الرأي العام) مشرعة الابواب لاقلام الشباب وآمل ان اقرأ لصفوة الكتاب الجدد على صفحاتها ما يعزز مكانة الجيل الجديد.

 

في دمشق

بينما نحن في ضيافة الشاعر الكبير احمد الصافي النجفي في مقهى من سلسلة المقاهي التي تطل على بردى في مقابل مدرسة التجهيز الثانوية آنذاك؛ حدثنا عبد الغني العطري صاحب مجلة (الدنيا) عن المفآجأة التي فجرها الجواهري وهو يشارك في حفل تأبين الزعيم الوطني اللبناني عبد الحميد كرامي في قاعة سينما الريفولي في ساحة البرج في بيروت؛ قال (انه سمع من احد اصدقائه الكتاب اللبنانيين الذين حضروا وقائع الحفل؛ ا ن رئيس الوزراء رياض الصلح كان تأخر عمدا عن الحضور في الموعد المحدد؛ لكي يتحاشى سماع المقاطع الاولى بالذات من قصيدة الجواهري التي سمع عنها ما لا يسره.

ولكن الجواهري بما عرف عنه من اصرار وتحد؛ واصل قصيدته الهجومية الكاسحة؛ وماكاد الصلح يدخل يحيط به الحرس وضباط الحماية ؛ حتى انشد الجواهري بحماسة بيتين ( قيل انه ارتجلهما فورا ) وهما:

 

عبد الحميد وكل مجـد كـاذب ان لم يصـن للشعب فيه ذمار

والمجد ان يحميك مجدك وحده في الناس؛ لا شـرط ولا انصار

وعند ذاك قطع الضياء عن القاعة برمتها وساد هرج ومرج؛ وبهذه الطريقة البدائية انتقمت الحكومة لكرامتها المهانة. اما الابيات التي استفزت الرئيس الصلح اكثر من غيرها فهي:

عبد الحميد وماتزال كعهـدها شـعـب يـذل وأمــة تنهار

ومسلطون على الشعوب برغمها السوط يدفع عنهم والنـار

ياموطن الاحرار حين يسومهم خسف؛ وحين تشـرد الاحرار

 

في بيت الجواهري في السبعينات

وصلتني بطاقة بخط الجواهري تشير الى دعوة عشاء في بيته في القادسية - حي الصحفيين -

وفي الموعد المحدد اتجهت الى هناك حيث كان قد سبقني عدد من رجال الفكر وعلى رأسهم شاعر الشعب محمد صالح بحر العلوم؛ وفي الحديقة الامامية من الدار كان هناك جمع من ادباء وشعراء الجيلين؛ الجيل السابق وجيلنا . وقد حاول الجواهري كعادته ان يمنح ضيوفه حرية الحركة؛ و الحديث؛ فقد كان يبادر الحاضرين بالتنقل من طرفة الادب؛ الى ذكرياته الخلابة؛ الى المنتقى من محفوظاته الشعرية؛ تمهيدا للآخرين بأن يأخذوا قسطهم من مواصلة الكلام . ولقد اعطي ا لمجلس مهابة اكبر حينما اعتذر اغلب الشعراء عن الالقاء الا بعد ان يأذن لهم الجواهري بذلك؛ وبابتسامة عطوفة وبايماءة من رأسه كان الايذان بتدفق الشعر الشبابي؛ وهكذا استمعنا الى باقة من القصائد المختارة المنتقاة بعناية من هؤلاء الواعدين ..

كان الجواهري يشرف على راحة ضيوفه شخصيا متنقلا بين موائدهم؛ والمشعشعات يتلألأن بين اطراف العشاق؛ واطباق المطيبات على الموائد رائحات غاديات؛ والليل الساحر بهدوئه يضفي على الجلسة الرائع من بهائه وصفائه. وهنا ... بدأ الجواهري يتصاعد في تألقه ونشوته؛ واخذ يختار من عيون شعره ما تسجل له الذاكرة بعضا من (انيتا) و(دجلة الخير) و (ناغيـــت لبنان) و (يافا الجميلة) ... الخ؛ في هذه الجلسة الفريدة...

ان المرح والاريحية والكرم الذي ابداه الجواهري في تلك الجلسة الفريدة؛ جددت انطباعي عن هذا الشاعر العملاق؛ بأن سر انطلاقه وتحليقه؛ لا يكمن فقط في موهبته الشعرية الخارقة؛ بل في توازنه مع الاوقات التي يكون فيها منسجما مع نفسه ومحيطه .

 

المشاهدة الاخيرة

كنت في عمان في طريقي الى النمسا في بداية شهر كانون الاول 1992؛ حينما خرجت الصحف الاردنية لتعلن عن الاحتفال الكبير الذي يقام في قاعة المجلس النيابي؛ احتفاء بعودة الملك الراحل الحسين من رحلته العلاجية؛ وان الجواهري سيكون من بين المدعويين لالقاء قصيدة بالمناسبة... وحاولت جاهدا الالتقاء به؛ لكن الظروف المحيطة به والمنهج الرسمي المزدحم وغيرها حالت دون الالتقاء؛ فاكتفيت بالمشاهدة التلفزيونية التي نقلت وقائع الاحتفال .

 لقد سجلت في مفكرتي يومها الملاحظات التالية :

 1- حينما صعد الى المنصة؛ كعهدنا به؛ شاعرا مهيبا جليل الخطى؛ واثقا من نفسه وهو في الثانية والتسعين من العمر؛ كما لوكان في قمة الشباب والنضوج.

2- عندما توقف عند بعض الابيات المهمة؛ كعادته بالالقاء المدرك لاساس احساس جمهوره؛ تصور امين عام وزارة الثقافة الذي يقف خلفه؛ ان الجواهري قد خانته ذاكرته فأراد الاقتراب منه لمحاولة تذكيره الا ان الجواهري نظر اليه بعتاب؛ وباشارة مانعة من يده؛ ثم واصل القاءه؛ وكأنه اراد ان يقول له (ليس الجواهري، احد اعاجيب الحفظ، من ينسى ليلقن؛ فخذ مكانك !!)

3- بانتهاء الجواهري من القاء قصيدته عاد الى حيث كرسيه في القاعة؛ واذا بالملك يُفاجئ الجميع بنزوله من الصالة العليا الى حيث يجلس الشاعر الكبير ليقدم له الشكر والامتنان؛ وليس العكس. وكأن ذلك المشهد كان بمثابة تحية وداع .

 

الخاتمــة

ما كانت تلك الا نماذج قليلة للقطات من ذكريات كثر ؛ تداعت على الخاطر في الذكرى التاسعة لرحيل احد سادة الابداع الحقيقي؛ وأحد أكبر الشعراء في القرن العشرين من الذين منحوا الحياة قدرا كبيرا من احاسيسهم وشاركوا الانسانية افراحها واتراحها؛ وبذلوا للوطن جهدا مضاعفا في الدفاع عنه والتصدي لاعدائه؛ وكشف الخونة المارقين الذين لعبوا بمقدراته؛ وامتع متلقيه باجمل التعابير العاطفية واللمحات الوصفية الخلابة . لو تأمل القاريء بتلك اللقطات؛ فسيجد فيها كثيرا من ملامح وصفات ومسيرة الجواهري على مدى ما يقارب قرنا من الزمن؛ فالحفظ في سن مبكرة؛ والاعتداد بالنفس؛ وكرم اليد بالرغم من الفقر؛ والصراحة؛ والمواجهة؛ والتحدي؛ وحب الحياة؛ والثورية؛ والرومانسية؛ وعشق الحرية ...

 

--------

* مجتزأة من سلسلة مقالات نشرت على مواقع اعلامية، وانترنيت، في تموزعام 2006 بذات العنوان اعـــلاه.

( ذكريات)

Share on Facebook
Share on Twitter
Please reload