براغ توقظ الجواهري من رقاده

 

- ياسر رزق

جريدة (الزمان) العدد 1274 التاريخ 2002.7.31

 

في احدي صالات ساحة براغ التاريخية القديمة بمركز العاصمة التشيكية، ووسط حضور ثقافي عربي ــ تشيكي متميز، أعلن مركز الجواهري، المؤسسة الثقافية الوليدة المكرسة لتراث الشاعر الكبير محمد مهدي الجواهري، وللتبادل الثقافي عموما، بدء أعماله.

ومثل المدعوون إلي هذا الحفل نخبة مختارة من المؤسسات والشخصيات الثقافية البارزة. عن الجانب التشيكي: ممثل عن وزارة الثقافة التشيكية، اتحاد الكتاب التشيك، معهد الاستشراق التشيكي، قسم اللغة العربية والأدب العربي بجامعة كارل التشيكية العريقة، مجموعة من المستعربين التشيك البارزين، الجمعية التشيكة ــ العربية، غرفة التجارة التشيكية ــ العربية، اعلاميون وصحفيون، ممثلو عدد من الروابط والجمعيات المعنية بدعم الحركات الثقافية وسواهم.

وعن الجانب العربي شارك في الحفل مندوب عميد السفراء العرب في الجمهورية التشيكية وممثلو عدد من البعثات الدبلوماسية العربية، ممثلو عدد من نوادي الجاليات العربية، ممثلو مؤسسة بابيلون للإعلام وعدد من الوجوه الثقافية العربية النشطة في براغ. ومن لم تتاح له فرصة المشاركة المباشرة في هذه المناسبة، فقد سجل حضوره علي الأقل ببرقية أو رسالة مثل كبير المستعربين التشيك الدكتور ياروسلاف أوليفيريوس. بل وكان من بين الحضور أيضا من حمل الكثير من ملامح المبدع الكبير، وتحديدا حفيدتاه اللتان ولدتا واقامتا وتعيشان في براغ.

وافتتح إعلان بدء نشاط مركز الجواهري بكلمة ترحيب موجزة، اعقبتها تقاسيم علي العود للفنان السوري المقيم في براغ مروان سليمان. بعدها ألقي رئيس المركز ورئيس وكالة بابيلون للاعلام رواء الجصاني كلمة أشار فيها إلي أن فكرة تأسيس مركز ثقافي يحمل اسم الشاعر الكبير، وفي براغ تحديدا، تعود إلي الأيام الأولي التي أعقبت رحيله قبل خمس سنوات ولكنها لم تجد طريقها إلي النور إلا اليوم، بعدما نضجت وتضافرت الجهود من حولها لتثمر عن وضع حجر الزاوية لهذه المؤسسة... وتساءل الجصاني حول تحويل هذه الفكرة إلي واقع ملموس: إننا نبحر في أفق نعرف منه البداية فقط، ولكن إلي أين؟ لا أحد يدري... أنحن بصدد مغامرة جديدة؟ ولكنه سرعان ما أجاب علي سؤاله بنفسه: ولم لا؟ ألم يكن صاحبنا الذي نؤسس له اليوم هذا المركز مغامرا من الطراز الأول؟ وتابع: لا فضل لنا أبدا في هذا المشروع المغامرة. بل الفضل، كل الفضل لمن أتاح لنا أن نتفاخر باسمه وإبداعه، وأن نطاول عنان السماء بما لديه من كنوز إنسانية، سامية في مفاهيمها، راسخة في تجاربها، مليئة بالغني الفكري وحب الناس .

... بعد لحظات قليلة تركزت الأنظار علي شاشة ضخمة للتلفزة، وما أن دار شريط الفيديو حتي طالع الحضور شاعر العرب الأكبر، في وقت ما من منتصف التسعينيات، بطاقيته الشهيرة، ومسبحته الأنيقة، وبصوت شيخ جليل، يستمد قوته من شعره في الخامسة والتسعين من عمره، راح يلقي قصيدته المعروفة باسم براغ ، أو حوار ... أطلتِِ الشوط من عمري، أطال الله من عمرك... بهر الجواهري الحضور بضع دقائق، عربا ومستعربين بدلالات شعره العميقة، تشيكاً ممن لا يفهمون العربية بإيقاعات قصيدته الرنانة، وكلا الفئتين بشخصية تشع بكل آمال وأحزان القرن العشرين، وتسمو عليه إلي ما بعد الزمان والمكان. تلاهما مباشرة صوت المستعرب التشيكي البارز يارومير هايسكي، نائب رئيس مركز الجواهري، مرددا أطلت الشوط من عمري، أطال الله من عمرك... ، هذه المرة بلغته الأم، ناقلا للحضور التشيك واحدة من قصائد الجواهري ــ العشرين علي وجه التقريب ــ حول العاصمة التشيكية الفاتنة التي أقام في ربوعها عقودا عديدة.

وبعد شكره لمؤسسي المركز نيابة عن المستعربين التشيك، شارك الاستاذ في قسم الشرق الأدني وشمال أفريقيا بجامعة كارل والمستعرب التشيكي اللامع البروفسور لوبوش كروباتشك الحضور ذكرياته الشخصية مع الجواهري الكبير منذ الستينيات. في حينها كان كروباتشك لا يزال طالبا في المعهد العلمي الذي يترأسه اليوم، وسنحت له الفرصة أخيرا للتعرف عن كثب علي تلك الشخصية الساحرة التي طالما شاهدها هائمة في شوارع براغ بطاقيته الشهيرة، ولم يجرؤ يوما علي قطع وصالها مع عالمها الخاص. كان اللقاء الأول عبر ابنتي الشاعر الكبير في دورة التحقتا بها لتعلم اللغة التشيكية وتصادف لكروباتشك التدريس فيها... وتتلاحق الذكريات ليصل بنا صاحبها إلي منتصف الثمانينيات، وحديث صحفي مطول أجراه الجواهري بحضور كروباتشك لمجلة "زابيسنيك" التشيكية. وعبر المستعرب التشيكي البارز عما يعتمل في قلوب الكثيرين حينما أشار إلي أن براغ تدين للشاعر الكبير بالكثير. فلقد خلدها بقصائد يربو عددها ــ وفقا لكروباتشك ــ علي الخمسة والعشرين. ولكن براغ بالمقابل لم تعرف الكثير عن الجواهري وإبداعه، بل أن المدينة التشيكية الساحرة لم تعرف جيداً انه من مفكري ومبدعي العرب البارزين الذين احتضنته زهاء ثلاثة عقود، وهي التي سبق وأن استقبلت وآوت مبدعين من شتي الثقافات مثل كافكا وموزارت وسواهما...

في ختام الحفل تولي الدكتور محمد حسين الأعرجي، أستاذ الأدب العربي في جامعة بوزنان البولندية، تلاوة نص الإعلان الرسمي لبدء نشاط مركز الجواهري في براغ، وفيه يؤكد مؤسسوه العمل ليس فقط علي حفظ تراث الجواهري ونشره مخطوطا، ومطبوعا، ومسموعا، ومرئيا، وإنما أيضا علي مد جسور التواصل والحوار بين الأدب العربي والحضارات الإنسانية الإخري. ودعا الإعلان كل من يهمهم الأمر إلي دعم هذا المشروع الوليد، بعدما نال موافقة الجهات الرسمية التشيكية، وترحيب الأوساط الثقافية المحلية البارزة.

                                                              جريدة (الزمان) العدد 1274 التاريخ 2002 - 7 - 31

Share on Facebook
Share on Twitter
Please reload

Tel: (+420) 603 412 120

عدد الزوار