Tel: (+420) 603 412 120

عدد الزوار

مع الجواهري ... وعنه

*كريم مروة

في الذكرى العاشرة لغياب شاعرنا الكبير محمد مهدي الجواهري، نتذكر بحنين وباعتزاز سيرته الشعرية الفذة، وملحمة حياته على امتداد قرن بكامله. ونستحضر معه، بالضرورة، وفي هذا الزمن العربي الصعب بالتحديد، أسماء كبار آخرين من رموز ثقافتنا العربية، غادرنا الواحد منهم تلو الآخر، في ظروف مختلفة، ولأسباب مختلفة أيضاً. فمنهم من رحلوا بحكم امتداد العمر إلى حدود السأم، ومنهم من سرّع رحيلهم مرض عضال، لكن أكثر ما خلق لدينا الإحساس بالوجع وبالغضب هو رحيل بعض هؤلاء الكبار بالقسر، على يد ظلاميي هذا العصر العجيب، إما بكاتم صوت، أو بانفجار عبوة، أو بعملية إنتحارية، وهو ما يستدعي منا التأمل العميق في هذا المصير الذي ندفع إليه دفعاً، حتى ولو كان هذا التأمل مرهقاً للروح، بحكم ما يبدو كأنه انسداد في الأفق.

*   *   *

... تعرّفت على الجواهري في مطلع عام 1948، بعد أن كنت قد أرسلت إليه بالبريد بضع مقالات للنشر، تكرم بنشرها جميعها، ووضع واحداً منها في صدر الصفحة الأولى من جريدته "الرأي العام"، فيما بدا لي في حينه تقديراً لأهمية هذا المقال. وكان ذلك موضع اعتزاز لديّ. وكان عنوان المقال: "لا بد من ثورة". وكان يحمل نبرة غضب من شاب عربي، ثائر على أوضاع عربية شاذة كانت تسد الآفاق أمام أحلامه وأحلام جيله. بعد نشر المقالات المشار إليها ببضعة أسابيع عرّفني إلى الجواهري ابن عمي حسين مروة، أحد كبار شهداء حرية الفكر، الذي كان من أصدقاء عُمر الجواهري، منذ عشرينات القرن الماضي، في النجف أولاً، ثم في خارجها، بعد أن تخرّج الإثنان من جامعتهما الفقهية، وخرجا من فضائها إلى فضاء آخر أكثر حرية ورحابة.

عملت محرراً في جريدة "الرأي العام" لفترة قصيرةً، بإشراف الجواهري، وبالتعاون مع مدير تحريرها آنذاك، رشيد بكتاش، وكان زميلاً لي في العمل الصحفي شاب شيوعي اسمه صالح، وكنا نتعاون معاً في تغطية نشاطات مجلس النواب، الذي كان الجواهري عضواً فيه. وكانت قد قادته إلى الفوز في عضوية المجلس قصائده النارية، التي كانت تحفظها الجماهير عن ظهر قلب. وكانت هذه القصائد، في نظر الجواهري وهذه الجماهير، أفضل وأرقى بيان إنتخابي. وكانت أكثر تعبيراً، سياسياً ووجدانياً، عن مشاعر الناس العفوية، وعن أحلامهم في امتلاك الحرية، بمعانيها المختلفة.

في وثبة عام 1948 المجيدة، التي أسقط فيها الشعب معاهدة "بورتسماوث" سيئة الذكر، فقد الجواهري شقيقه جعفر. وقد كنت مع حسين مروة وابنه رفيق عمري نزار، ومع الأديب والشــاعر محمد شرارة، صـديق عمر الجواهري كذلك، إلى جانب الجواهري في جامع الحيدر خانه، في ذلك المشهد العظيم الذي لا ينسى، مشهد الحشد الكبير من العراقيين الذين جاءوا للإستماع إلى قصيدة شاعرهم الكبير في رثاء شقيقه جعفر، وفي إعلان الإنتصار على سالبي الشعب العراقي حريته وسعادته:

أتعـلـمُ أم أنـــت لا تعـلـمُ

بـأن جـراح الضـحـايـا فـمُ

وتشاء ظروف تلك الحقبة من تاريخ العراق، ومن تاريخ وجودي فيه طالباً في الإعدادية المركزية في بغداد، أن أكون إلى جانب الجواهري في صيف عام 1949، مع عزيز جعفر أبو التمن وناجي جواد الساعاتي، في حفل تكريم عميد كلية الطب هاشم الوتري، الذي ألقى فيه الجواهري قصيدته المدوية، التي نزلت كالصاعقة على رؤوس أركان النظام الذين كانوا يحضرون الحفل. وكان في مقدمة هؤلاء الوصي على العرش عبد الإله، ونوري السعيد وآخرون من عتاة النظام الملكي، الذين كانوا قد أقدموا على إعدام أربعة من كبار قادة الحزب الشيوعي العراقي، وفي مقدمتهم الأمين العام للحزب فهد. لدى عودة الجواهري من إلقاء قصيدته إلى حيث كنا نجلس معاً، مزق الأوراق التي كتبت عليها القصيدة، وألقاها تحت الطاولة. فما كان مني إلا أن لممت المزق، ووضعتها في جيبي، وحملتها معي إلى لبنان، في رحلة العودة إلى الوطن، مع عائلة حسين مروة. وكان حسين مروة قد سبقنا منفياً من موطنه العراقي، إلى موطنه لبنان، بعد أن سحبت منه الجنسية العراقية التي كان قد حصل عليها خلال وجوده في النجف. ومعروف أن حسين مروة كان قد ذهب إلى النجف في مطلع شبابه في مهمة التحصيل الفقهي في جامعتها. وأصبح شيخاً معمماً وفي عدد غير قليل من سني عمره الأولى.

قبل العودة إلى لبنان زرت، مع عزيز أبو التمن وناجي جواد، الجواهري في سجنه، بترخيص حصل عليه عزيز أبو التمن من بهجت العطية، المسؤول الأول عن جهاز التحقيقات. وكان اسمه يرعب العراقيين. لكن شتان ما بين ذلك الزمن الملكي، الذي كان في قمة الرجعية والعسف في تقييمنا له في ذلك التاريخ، وبين زمن الجمهوريات التي ورثت ذلك النظام، وفاق فيها طغيان سادتها، وهمجية الظلاميين في كنفها كل ما عرفته البشرية في تاريخها من مظالم.

لم يبق الجواهري في السجن إلا أياماً معدودات، بسبب فقدان الأدلة على الجرم المتمثل بالقصيدة، إذ هو مزقها، وضاعت آثارها. وأعلن الجواهري للمحقق أنه لا يحفظ منها شيئاً. وتنكّر لما جوبه به من اتهام حول ما ورد فيها من مسّ بأهل النظام.

في لبنان عملنا، أبو نزار ونزار وأنا، على ترتيب الأوراق الممزقة. وأعدنا القصيدة إلى الحياة من جديد. ثم أرسلناها إلى النشر في جريدة "التلغراف" الواسعة الإنتشار، من دون أن نأخذ في الإعتبار ما كان سيثيره نشرها من متاعب للجواهري. وما إن وصلت القصيدة منشورة في الجريدة إلى العراق، حتى استدعي الجواهري إلى التحقيق من جديد، وأودع السجن، بعد أن وفـّر نشر القصيدة للسلطات المادة الجرمية التي تدينه فيها. وواضح أنني كنت السبب في ذلك. وكثيراً ما كان يذكرني الجواهري بهذا الحدث، من دون أن يشير إليه، لا في مذكراته، ولا في أحاديثه العامة. وكان ذلك يثير استغرابي. لكنه الجواهري، وعذره معه دائماً، ولا حاجة للتفتيش معه وعنده عن هذا العذر.

*   *   *

كان آخر لقاء لي مع الجواهري في عام 1994 في منزله في دمشق، وكان قد أصبح ضعيف النظر، وكانت القراءة ممتنعـة عليه، لهذا السـبب بالذات. فشـكا لي حالـه، في تلك السهرة الجميلة التي امتـدت، بخلاف تقاليدي، إلى ساعة متأخرة من الليل. وكانت تلك السهرة الجميلة مناسبة، لي وله، لاستحضار حقبة تاريخية نفتقدها، ونفتقد فيها الثراء الثقافي، ومتعة الإختلاف في الرأي من دون خوف من مسدس ظلامي قادم إلى عالمنا المعاصر من كهوف التاريخ. واسترسل الجواهري في تلك السهرة الجميلة في استعادة ذكريات قديمة مع أصدقاء عمره، ومعي خلال نصف قرن. وقرأ لي من شعره ومن الشعر العربي القديم ما جعلني أشعر بسعادة لا مثيل لها. في نهاية السهرة قدم لي الجواهري الجزء الثاني من مذكراته. وأصرّ على أن يكتب بخط يده إهداء يشير فيه إلى صداقتنا. فاستعان بنسيبه جمال الجواهري، لكن الكلمات جاءت متقطعة بفعل ما كان يعانيه من ضعف شديد في بصره.

رحل الجواهري بعد ذلك التاريخ بثلاثة أعوام، ولم أشأ أن أزوره في أيامه الأخيرة، وهو يصارع من أجل الحياة، التي كان يعشقها، إذ فضلت أن يبقى ذلك اللقاء الجميل هو المشهد الأخير لعلاقتنا، وهو مشهد كان فائق الغنى والمتعة.

تلك هي مجرد ذكريات قديمة عن علاقتي بالجواهري، أسوقها، وأنا أتذكره مع هذا الجمهور الكبير من مثقفي العراق ومثقفي العالم العربي، في الذكرى العاشرة لغيابه، وهي ذكريات أعبّر فيها عن الوفاء لواحد من كبار رموز ثقافتنا العربية المعاصرة.

سيبقى للجواهري في وجدان الشعب العراقي، وفي وجدان الشعوب العربية كافة، وفي تاريخ الشعر العربي، وفي تاريخ الثقافة العربية المعاصرة، مكان مرموق، يستعصي على النسيان.

 

* مقتطفات من مساهمة للمفكر والسياسي اللبناني كريم مروة

في أسبوع المدى الخامس أربيل/ العراق، نيسان/أبريل 2007

 

Share on Facebook
Share on Twitter
Please reload